أكتوبر 31, 2026
images-3-9

بروكسيل ذاك الزمن الجميل/ 4
تطوان : مصطفى منيغ
سألتني مِن جديد :
– كيفَ تَمَّ عبوركَ إلى أن وصلتَ بلجيكا لتستقِرَّ الآن فوق قلبها النابض بروكسيل ؟ .
أجبتها مُظهِراً أنني غير منزعج من تواصلِ أسألتها وكأنها تدقِّق ، ليس عن السبب وحسب بل المُسَبِّب لاتخاذ مثل القرار المصيري داخل صياغ المنطِق :
– أشبِّهُ في ذلك ذاتي كورقة من غصن زيتونة سمراء الحبات أسقطها الربيع فوق أرض يابسة من شمالية المناطق ، ليجرِفَها سَيْل تَجَمَّعَ لِيَشْتَدَّ سريانه دون مَطَرٍ ساقِط بالتَّدقيق ، ليستقبلها بحر إسبانيا المضطرب بأزمات لتلك الأراضي الأندلسية مُختَرِق ، فتتبع سبيلها فوق محيط فرنسا الهائج لن يقدر عن الضوضاء أن يُفارِق ، لتصل الى نهر بلجيكا الهادئ اليَمِّ لاستقبالها كممثِّلَة لذاتي بِيُسرٍ يُوافق ، على أمل أن تعود لأفنان أي زيتونة لحبَّاتها المَيَّالَة للبياضِ تُعانِق .
بأدب جم في حديث صادرٍ عن أنثَى مُدَلَّلة ترَى في حُسنِها الخارق ، المتحَكِّم دون وساطة ولكل حدود عدم الانبهار بها حارِق ، مما يجعل مداخلاتها بمثابة أوامر تُستقْبل دون أن يكون لسانها بها ناطق ، يكفى نظرة لتصبغ باخضرار جفنيها عقل أي شاب يتَّخِذُ حياء أصله أهم عائِق ، لتبادل انجذاب نحو رحابة الرغبة بأخلاقه السمحة تضيق . كان سؤالها هذه المرة :
– وكيف وجدتَ بلجيكا عامة وبروكسيل خاصة وأنا أيضاً إن كنتَ معي كما وضعتك في مستوى ذاك المُحِق .
أجبتها بلغة فرنسية عن قصد لا لُبس فيه لتعلمَ مُسبقا أن المتكلمَ بها دون خطأ على الإطلاق ، يكون أدرى بأهلها الأصليين ولو اختلفوا من حيث الإقامة والانتساب ، يُعرَفون بنكهة منطوقِهم للجُمل ، فالفرنسي بها ليس كالكندي أو البلجيكي ، فلكلٍ منهم نكهة وطبقات مخارج حروف أصوات غير مطابقة لبعضهم البعض ، وحتى تفهمَ أن فرنسيتها ليست بلجيكية بل أتت بها من الخارج وليس المغرب تحديداً ، فأجيب بما مضمونه الأتي :
وجدت بلجيكا لا زالت تنظِّف أطرافها مما صنع بها أدولف هتلر من أضرار انطلاقا من 10 مايو سنة 1940 وما أعقبها من احتلال ألماني لترابها لغاية 1944 ، ما كان تجاوزها بالأمر الهين بل هي تضحيات شملت كل طبقات الشعب لإنقاذ الهوية المحلية من التلف المُحقَّق ، فالبدء من الصفر بعزيمة تضعها موضع النموذج المُحتذى به في صناعة مستقبل ضامن استقلالها فارِضٍ موقفها الحق ، من قضايا لا تترك ثغرات لتتسرب منها مطامع غرباء عن احترام صلاحية الأهالي لاختيار ما يناسبهم أو يروق ، وبذلك أصبحت بلجيكا بمثابة شعب عامل شديد الإخلاص لما يضيف لبنة من لبنات التقدم والازدهار مع ترسيخ قوة مانعة لحصول ما حصلَ من ضياع للحقوق والأرزاق ، وإن كنتُ عديم الاطلاع حتى الآن باستثناء ما رأيته يُؤكد عظمة تطلع مواطني هذه المملكة لفرض وجودها بما شيدته من معالم ومنها هذه المحطة “مِدِي” للسكك الحديدية ، ومع الوقت سأكتشفُ ما يجعلني أرتاح لإقامتي هنا ما مكَّنني القدر من زمن قد يقصر أو يطول . أما عنك هي قادم أيام حتى أستطيع الوقوف لتقييم إن كنتُ استحق حَظَّ معرفتك ، أم سيتطور الأمر لبناء ما أودُّ بناؤه على مراحل بعرق جبيني ، كما تقتضيه عادات وتقاليد الأرض الشريفة التي أتيتُ منها ، حيث الرجل تلزم رجولته عدم الاتكال على امرأة مهما كانت واضعة ما تملك تحت تصرفه ورهن إشارته ، أنتِ (ولحد الساعة) إنسانة لا يهمني جمال محياها بقدر ما سيطرَت على عقلي إنسانيتها ، إذ ما شملتني به من عطف يجعل ارتباطي بها ذاك الحلال الطبيعي الآتي عن توافق يديم العشرة ويقوى اليقين أن هذه الأرض تساعد قولاً وفعلاً ، على تبسيط المُبَسَّطِ لإنشاء أُسَرٍ قائمة على تعزيز المحلي بما يعود بالنفع على الصالح العام مهما كان المجال ، أنت لستِ امرأة عادية بل تتمتعين برؤية بعيدة لتحقيق الاستقرار والسعادة ، بعدما منحتك الظروف كل حاجياتك المادية لتعيشين كما تريدين غير ممدودة اليدين لاقتناص زيادة لا تليق بمقامك ، قد تكون هذه اللحظة بداية انسجام بيننا أو فراق مفعم بالاحترام المتبادل والتقدير التام لما صدر عنك في حقي .
… انتبهتُ اليها لأتمعَّن في دموع تطل من حدقيها تمانع الانسياب فوق حدين موردتين بلون شابة فضحتها الحاجة لعاطفة من شكل خاص ، يحن لرنين أوتار كمان في مَقامِ الصَّبَا ، تُراقص الروح رقصات إشباع غير منقوص ، التحاماً كأقصَى مُراد مع مَن تتمتَّع داخل جسده بنفس المزايا ، وفي ذلك يكمن ما يصدر عن مهجة صاحبتها الموجودة بجواري لا زالت عذراء ، قد تساعدها حرية الغرب المتقدم في احترام حقوق الانسان على عامل الانتقاء . فسألتها :
– ما سر هذا التجهُّم المفاجئ وأنت لا زلت على أول الطريق في عالم يرخص لك جرأة العيش كما تريدين لكن بانتظام يحترم طبيعة طرفين وإن كانا متقاربين في الشعور وليس الإمكانات المادية .
أجابت : … (يتبع)
(الصورة : محطة مِدِي للسكك الحديدية بجنوب بروكسيل)
مصطفى منيغ
Mustapha Mounirh
سفير السلام العالمي
مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان في سيدني –استراليا
aladalamm@yahoo.fr
https://assafir-mm.blogspot.com