نوفمبر 2, 2026
IMG_4323

تمهيد: المثقف الملتزم
يُمثل الكاتب والحقوقي العراقي مجيد الكفائي نموذجاً بارزاً لـ “المثقف الملتزم” الذي يرفض عزل الإبداع الأدبي عن الهمّ اليومي والمعاش للمواطن. منطلِقاً من مدينة الرميثة الحاضنة للإرث القيمي والوطني، ومن خلفية قانونية صلبة كمحامٍ وباحث، استطاع الكفائي أن يؤسس لمشروع إبداعي يزاوج فيه ببراعة بين صرامة القانون وعاطفة السرد، ليتحول قلمه إلى أداة لتشريح الواقع العراقي المعاصر ومحاكمة ظواهره.
أولاً: المرتكزات الفكرية والسياسية (تفكيك بنية الفساد)
تتسم الرؤية الفكرية والسياسية في مقالات الكفائي بالوضوح والجرأة، وتتمحور حول ثلاثة أبعاد رئيسية:
1. دولة المؤسسات وسيادة القانون: ينظر الكفائي إلى القانون ليس كمعادلات جامدة، بل كدرع لحماية الضعفاء. وفي هذا السياق، يقود نبرة تصحيحية تطالب بإصلاح القوانين الجنائية لترتكز على الفحص الأخلاقي والسيرة الإنسانية للمتهم، محذراً من استغلال الثغرات في عمليات التزوير الممنهج التي يصفها بـ “اغتيال العدالة”.
2. العلمنة الإدارية والتحول الرقمي: يطرح الكفائي رؤية حداثية لإنقاذ مؤسسات الدولة من البيروقراطية والرشوة؛ حيث يرى أن التحول الرقمي المؤتمت هو الحل العملي لقطع دابر الفساد، بعيداً عن الشعارات والاستغلال السياسي للمفاهيم الدينية.
3. أنسنة الخطاب السياسي: في نصوصه المقالاتية (مثل: “من حقي أن أعيش”)، يُعيد الكفائي تعريف العمل السياسي بربطه بتأمين الاحتياجات البيولوجية والخدمية الأساسية للمواطن كـ (الماء، الكهرباء، والتعليم)، معتبراً العجز عن توفيرها جريمة سياسية وأخلاقية.
ثانياً: الفلسفة الأدبية والبناء السردي (الواقعية النقدية)
في منجزه القصصي والروائي (من “سحابة مطر” إلى روايته الأحدث “شاهين والعصابة”) [0.6.2، 0.7.10، 1.4.4، 1.4.5]، يبتعد الكفائي عن الفن النرجسي المنعزل، وينحاز كلياً إلى الواقعية النقدية:
1. سيكولوجية الهامش: يمتلك الكفائي عيناً لاقطة تفتش في أزقة المدن عن أبطاله الحقيقيين؛ فهم بائعات المناديل، والفقراء، والموظفون المنهكون. يسلط الضوء على عوالمهم ليس من باب استدرار العطف، بل لتقديم “لوائح اتهام أدبية” ضد غياب التكافل الاجتماعي والتوزيع غير العادل للثروات.
2. المفارقة والسخرية السوداء: يُتقن الكفائي اللعب على وتر “المفارقة” (Irony)، وتعتبر قصة “متشائم” نموذجاً فذاً لسخريته السوداء التي تفضح الزيف الإعلامي والوعود السياسية المفرغة من محتواها، محولاً المشهد اليومي البسيط إلى صدمة فكرية توقظ القارئ.
3. الاقتصاد السردي: تمتاز لغته بالرشاقة والابتعاد عن الترهل التعبيري. الجمل لديه قصيرة ومكثفة، تعتمد على التقاط “اللحظة الخاطفة” والدلالة السيميائية للرموز المحيطة بالبيئة العراقية (كالخاتم، والطباشير، والمطر)، مما يمنح أعماله طابعاً ديناميكياً مشوقاً.
خاتمة: شهادة على العصر
إن تجربة مجيد الكفائي بمجملها هي “أدب شهادة” بامتياز. لقد استطاع عبر التناغم بين مقالته السياسية وقصته الأدبية أن يوثق التحولات الأنثروبولوجية والاجتماعية للعراق المعاصر. إنه يكتب ليقاوم القبح، وينقد الخلل، ويفتح نوافذ الأمل الشحيحة عبر كلماته، مؤكداً أن وظيفة الكاتب الأولى هي أن يظل صوتاً لمن لا صوت له
اسمهان الفالح