بين زينب وقمر.. حين يتحول الرأي العام إلى ساحة تشويش وحرف أنظار..!

حسن درباش العامري

في الأيام الأخيرة، شهدت الساحة العراقية ومواقع التواصل الاجتماعي ،ضجة مفتعلة واسعة حول ظهور شخصيات مثل زينب جواد وقمر السامرائي، عبر وسائل التواصل الاجتماعي.وهذا يؤيد وذلك يعارض وينقل عن هذه جمل بذيئة وصور فاضحة وعن تلك تصريحات طائفية مقيتة وهي تستعرض بين حراس بحركات مترنحة ، وبدلاً من أن تكون هذه الأسماء جزءًا من هامش المشهد العام، تحوّلت فجأة إلى مواضيع رئيسية للنقاشات الجماهيرية، وتصدّرت العناوين وهذا يضع علم العراق ليقول لها هذا سترك الذي تبعثر في صور مسربه، وحتى برامج تحليلية شعبية.

هذا الالحاح غير المبرر يطرح تساؤلاً مشروعًا: هل ما يجري أمر عفوي أم أن هناك من يقف خلفه بقصد صرف الانتباه وتوجيه البوصلة الجماهيرية بعيدًا عن القضايا الأكثر خطورة؟

إلهاء الشعب… استراتيجية مجربة

تُعد سياسة “الإلهاء الجماعي” واحدة من أقدم أدوات النظم السياسية التي تسعى لإبقاء الشعوب مشغولة بقضايا هامشية بينما يتم تمرير سياسات خطيرة أو طمس حقائق مصيرية. فحين يعمّ الجدل حول صور زينب جواد الفاضحة وكلماتها حول اعجاب أحدهم بمؤخرتها أو لهجة قمر السامرائي، التي تعزف على الوتر الطائفي !!

تنطفئ فجأة الأسئلة الكبرى:

ماذا يجري في كواليس الاتفاقات الإقليمية؟ وقضية بيع خور عبد الله للكويت ،

ماذا عن ملفات الفساد المتراكمة التي لم يُفتح منها إلا القليل؟

واخرها قضية تسلل الجرذان في أعلى بناية مصرفيه في بغداد لتعبث في مليارات العراق وتحويلها إلى قصاصات ورقيه ويجعلك تتخيل بأن البنك المركزي يتخذ من صريفة عطية مركزا له !!

لماذا تراجع الحديث عن ملف ميناء الفاو؟ الذي يمثل حلم العراقيين
ولماذا لم يتم الكشف عن ما تم تداوله أثناء زيارات المسؤولين الأمريكيين العراق ،
و ما يتم تناقله عن تهديدات للجماعات التكفيرية والارهابيين وعملائهم في العراق ..

وماذا عن قضية المياه والتنازل التركي وجفاف نهري دجله والفرات المستمر؟

هل تم تهريب جديد للدولار؟

هل تغيّر شكل السيطرة على البنك المركزي؟

لماذا تم دفن موضوع التسريبات السياسية والاستخبارية الأخيرة التي فضحت العلاقة بين أطراف في السلطة والجهات الخارجية؟

وهل هناك تحركات عسكرية أو أمنية مشبوهة يتم التغطية عليها؟

صمت الإعلام… ضوء أخضر للتفاهة

المثير للدهشة أن وسائل الإعلام شبه الرسمية، وحتى بعض المنصات الموجهة، شاركت – بشكل مباشر أو غير مباشر – في تضخيم هذه الظواهر، ما يشير إلى أن الأمر ليس مجرد صدفة. فبدلًا من تخصيص أوقات التحليل السياسي للقضايا العالقة، تم تقديم “مساحة وعي وهمي” قائمة على الإثارة والفضول الرخيص يتجسد في التباين بين كلام المحلل السياسي المتحدث ليتم كتابة جمل أخرى بعيدة عن ما قاله وحسب توجهات حرف الإعلام ، بينما يغيب عن الشاشات تمامًا الحديث عن القوانين التي يُراد تمريرها بصمت، وعن الملفات الحساسة التي تهدد كيان الدولة.

ما الذي يُراد تغطيته الآن؟

من بين الملفات التي يُحتمل أن تكون مخفية خلف هذه الغمامة الإعلامية:

1. التفاهمات الأمنية الغامضة مع الولايات المتحدة، خاصة بعد تصريحات رئيس الوزراء عن إحباط 29 عملية لاستهداف المصالح الأميركية في العراق – دون إعلان رسمي سابق لها.

2. تفاقم نفوذ الدولة العميقة بعد صفقات تعيين جديدة داخل المؤسسات الأمنية والمالية.

3. محاولات تعطيل الانتخابات أو التلاعب بخارطة النفوذ عبر تغييرات في قانون الانتخابات أو استبعاد بعض المرشحين.

4. التحركات المريبة في ملف خور عبد الله وترسيم الحدود، الذي لا يزال غير محسوم رغم خطورته على السيادة الوطنية.

5. استمرار النزيف المالي عبر واجهات اقتصادية فاسدة، تُديرها أحزاب وأذرع مسلحة تحت غطاء مشاريع وهمية أو “خصخصة” مسيسة.

خلاصة القول: سلاح “اللا حدث” أقوى من الرصاص

ما يحدث في العراق اليوم ليس جديدًا، لكن وتيرته تتسارع مع تزايد وعي الشعب وفقدان الثقة بالطبقة السياسية. وهنا تكمن خطورة الحرب الناعمة الجديدة: عندما تُدار الدولة بواسطة مقاطع تيك توك وبث مباشر على إنستغرام، فاعلم أن ثمة ما يُراد دفنه في الظل.

ليس المطلوب أن نهمل الظواهر الاجتماعية – لكن الأهم ألا نُخدع بها. فالوطن لا يُحمى بترند، ولا تُبنى الدولة على إثارة رخيصة، بل على وعي حقيقي، وقضية حقيقية، ومتابعة لما يُخطط خلف الأبواب المغلقة.