رياض سعد
في حاضرة المنسيين، حيث يُخيط الغبار ثياباً للوجوه، وُلد مهند تحت سماء مبلّلة بالصمت… ؛ كانت مدينته – تلك البقعة المُهمَلة في جسد العراق – تُشبه رسماً باهتاً في دفتر طاغية، تُرصَد أنفاسها بخيط رفيع من الخوف… ؛ النظام، بتلابيبه الواسعة، كان يلفّ الجميع في غلالة واحدة من الرماد، حتى صار المواطن ظلّاً لظلّه، وصرخةً مكتومة في صدر التاريخ.
عاش مهند في حيٍّ شعبيٍّ كان يشبه قاعَ ساعةٍ مكسورة … ؛الزمن فيه متجمّد، والوجوه متعبة، والجدران تحفظ أسماء الغائبين أكثر مما تحفظ ألوانها.
كانت المدينة واحدة من تلك المدن التي تُنسى عمدًا … ؛ حيث تُوزَّع المواطنة بالتقسيط،
ويُمنَح الإنسان رقمًا بدل اسم، وتُقاس الكرامة بمدى القرب من صورة الطاغية صدام المعلّقة في كل زاوية.
منذ نعومة أظفاره، أدرك مهند أنّه يعيش في حكاية مكتوبة بخطّ الآخرين… ؛ كانت قناعته بالنظام البائس تشبه اقتناع السجين بجدران زنزانته؛ استسلاماً لا إيماناً… ؛ وكان يتنكّر كالآخرين، يرتدي أقنعة الطاعة، فيما كانت روحه تصنع أقنعةً تحدي ومعارضة أخرى في الخفاء.
كبر مهند وهو يشعر أن العالم يُدار من خلف ستارٍ كثيف، وأن الحقيقة تُقدَّم للناس ممزوجة بالخوف.
لم يؤمن يومًا بالشعارات، ولا بالعادات التي تُعاد مثل أسطوانة مشروخة، لكنه تعلّم — مبكرًا — فنّ التظاهر بالطاعة.
وفي يومٍ كان فيه الضوء نحيلاً، دخل المكتبةَ العامّة، ذلك المركز الثقافي الوحيد في مدينته… ؛ وجدها مقبرةً للكلمات: رائحة ورق عَفِن، وعناوين متقادمة تتكلّس في زواياها… ؛ أحدث كتاب هناك كان طفلاً راحلاً قبل أحد عشر ربيعاً، بينما العالم خارجاً كان يعدو كالبرق… ؛ كانت الكتب هناك تشبه جثثًا محفوظة في ثلاجة التاريخ: أغلفتها صفراء، وتواريخ طباعتها أقدم من أحلامه… ؛ اقترب من الأمين، وسأله بصوتٍ خافت عن كتبٍ للفلسفة الشيوعية … ؛ انتفض الموظف كما لو أنّ مهنداً أخرج عقرباً من جيبه، وهتف بنبرةٍ تشبه صفعة: “لا نُدَنّس مكتبتنا بالسمّ الأصفر!” كان الأمين بعثيّاً، وكانت عيناه ثقبين أسودين في وجه اصفر منفّر... ؛ وكانت المكتبة، في تلك اللحظة، ثكنةً مقنّعة… ؛ رجال الأمن يحتلون المقاعد، بينما شباب ورجال البلاد يُساقون إلى الجبهات – الحرب العراقية الايرانية – ، فرادى وزرافات، كأن الموت مشروعٌ وطني.
نعم , في القاعة، لم يكن الجالسون سوى أشباه رجال، عناصر أمن وأعضاء حزب، جالسين على كراسي الخوف، يتصيّدون الأحلام في عيون المارّة القلائل… ؛ أما الرجال الحقيقيون، فكانوا يذرّفون دماءهم على جبهة نائية، يُساقون إلى محرقة الحرب كالقرابين … ؛ خرج مهند يجرّ خيبةً ثقيلة كجثمان كبير ، وعاهد نفسه ألا تعود قدماه إلى ذلك القبر المُسمّى مكتبة... ؛ بل وأقسم ألا تطأ قدمه مكتبة بعثية عامة مرة أخرى.
بعد أيام، حاول أن يلتمس متعةً في ملعب كرة القدم، ذلك المكان الذي يُفترض أن تتحرّر فيه الأجساد… ؛ فقصد ناديًا رياضيًا، محاولًا أن يتنفّس عبر كرةٍ تركض… ؛ لكن المسؤول سأله قبل أن يسأله عن مهارته , وعيناه تختبران أعماقه :
— هل أنت بعثي؟
أجاب مهند: لا.
فانحنى الرجل نحوه وقال: “ينبغي أن تكون بعثيا “
فتهافتت الكلمات من فم مهند مدفوعةً برعدة الخوف: “إن شاء الله... , أنتمي للحرب.
ثم فرّ هارباً من المكان، وكأن الملعب تحوّل إلى فخّ من أسلاك شائكة… ؛ قرر أن تظلّ قدماه بعيدتين عن كلّ ساحات اللعب المراقبة... ؛ ومنذ ذلك اليوم، صار يتجنّب النوادي كما يتجنّب المقابر المفتوحة.
حاول أن يكسر رتابة الحياة... ؛ لكن كل متع العالم كانت محاصرة، والناس مسحوقين بين عسكرة المجتمع وفقره، بين خطابٍ أجوف، وخوفٍ حقيقي...
صار العالم من حوله سجناً ذهنياً كبيراً… ؛ أدرك أن كلّ أبواب الحياة المُشرعة على الفرح مُغلقةٌ في وجهه… ؛ المجتمع مأزوم ، والناس مُفقَرون مُرعَبون، تدور بهم دوّامة الأزمات كالفئران في دولاب لا يتوقف… ؛ بحث عن مخرج في سماء الدين ؛ و قال في نفسه: لعلّ الخلاص في الصلاة… ؛ فدخل المسجد ليصلي… ؛ لكنّ الصلاة نفسها صارت جريمة… ؛ دخل المسجد لأول مرة … ؛ فخرج منه بعد أسابيع إلى زنزانة… ؛ اتُّهم بما لا يعرف … ؛ وعُذّب على ما لم يفعل .
ألقت الأيدي الخشنة القبض عليه، متّهِمة إياه بالانتماء لجماعة محظورة – حزب الدعوة – كالعادة وحسب السياق … ؛ عُذّب في أقبية الأمن، حيث يذوب الزمن في رطوبة البِطاح، وتتحوّل الصرخات إلى صدى ضائع… ؛ أُطلق سراحه بعد خمسة أشهر، لمّا تأكّدوا أنّه صلّى لأول مرة، ولمّا دفع أبوه – بمالٍ كثير – ثمنَ براءته لضباطٍ من مدينة الطاغية – تكريت – .
خرج مهند من جحيم السجن إلى سجن المدينة الأكبر، يحمل روحاً مُهشّمة… ؛ حاول أن يجد عزاءه في أفلام السينما القديمة … ؛ اذ لجأ مهند إلى دور السينما … ؛ وفي فلسفات غريبة تقرأ العالم عبر كسر المرآة.
ثم، في لحظة استثنائية اهتم بالموسيقى ؛ و اشترى جيتاراً… ؛ لم تكن آلةً فحسب، بل كانت سفينةً خشبيةً سريعة، وطريقاً معبّداً بالنجوم… ؛ أصبح يعزف عليه، فأصابعه تنسج خيوط الضوء على أوتار من ظل… ؛ كان يعزف في غرفته الصغيرة، ويتخيّل نفسه في شوارع أوسلو، أو مقاهي مدريد،أو جسور باريس… ؛ نعم كان يتخيّل نفسه في دول الشمال الباردة، التي لم يرها حتى في أحلامه… ؛ يعيش في يقظته أحلاماً ساطعة: تارةً يجلس في مقهى على ضفاف السين، وتارةً يتأمّل الضباب في هايد بارك، وأخرى يسمع حفيف أجنحة الحمام في ساحة مايور بمدريد… ؛ ويرمّم روحه بأوتارٍ نحيلة، كأن الموسيقى قارب نجاة في بحرٍ من الإسمنت القاسي والجاف .
عندما انفجرت الحرب الأخيرة عام ٢٠٠٣، طفح الكيل , وفار التنور , و لم يعد يطيق ثقل النظام البائس، ولا عباءة المجتمع المأزومة، ولا حتى وجوه الناس الحاملة لِرسوم الألم نفسها… ؛ و شعر أن البلاد لم تعد تتّسع لروحه، ولا الناس يحتملون بعضهم، ولا الصبر صالحًا للاستهلاك الآدمي… ؛ اتخذ قراره…
و قرر أن يهرب من جغرافية الرماد… ؛ اتّفق مع دليلٍ كرديّ، وحمل جيتاره كمن يحمل قلبه, وحقيبة صغيرة كمن يحمل ذاكرته ، فيها كلّ ممتلكاته: أحلامٌ معدنية، وذكريات خفيفة كالريش , وأدوات بسيطة .
عبر الحدود إلى تركيا، ثم انطلق إلى أوروبا… ؛ وعندما وطئت قدماه أرضاً جديدة، تنفّس هواءً لم يعرفه من قبل، هواءً خالٍ من رائحة الخوف والتراب… ؛ نظر إلى جيتاره وكأنّه ولد من جديد، هو وآلته، ليبدأ نشيداً لم يكتب له آخر بعد، نشيد المنفى والبدايات.
وصل أوروبا كما يصل طفلٌ إلى الضوء لأول مرة.
هناك، لم يسأله أحد عن حزبه، ولا عن صلاته، ولا عن صوره مع القائد...
كان مجرد إنسان.
صار يعزف في الشوارع، ويبتسم للمارّة، ويترك موسيقاه تتسلل إلى قلوبٍ لا تعرف لغته،
لكنها تفهم الحزن.
أدرك أخيرًا أن الوطن ليس جغرافيا، بل مساحة داخل الصدر.
وأن الحرية ليست شعارًا، بل قدرة على أن تكون نفسك دون أن تُعتقل.
كان مهند عازفًا في المنافي، لكن صوته ظلّ يعود كل ليلة إلى تلك المدينة المنسية، حيث ما زال الأطفال يولدون وفي آذانهم صدى الحرب.