من البرلمان إلى بلاط السلطة: كيف أعاد السوداني رسم خارطة الولاءات الشيعية في العراق؟!

كاظم الطائي

مقدمة
في السنوات الأخيرة، مرّ العراق بتحولات سياسية دقيقة عكست هشاشة البنى الحزبية وتآكل الالتزامات الفكرية لدى النخب النيابية، لا سيما في الوسط الشيعي. ومع صعود محمد شياع السوداني إلى رئاسة الوزراء، شهدنا ولادة كتلة جديدة تُعرف بـ”كتلة الإعمار والتنمية”، ضمّت في صفوفها عددًا من النواب الشيعة الذين انشقوا عن كتلهم الأصلية. هذا التحول يفرض تساؤلات مشروعة حول مفهوم التمثيل السياسي، وحدود الاستقلالية النيابية، وموقع القيم الأخلاقية في المعادلة السياسية العراقية.

إشكالية البحث
هل يعكس انضمام النواب الشيعة إلى كتلة الإعمار والتنمية تحولًا هيكليًا في القيم والمبادئ داخل البرلمان العراقي، أم أنه مجرد تكتيك سياسي ظرفي يرتبط بموقع السلطة ومغرياتها؟

أهمية البحث
تبرز أهمية هذا البحث من كونه يتناول ظاهرة راهنة تُعيد تشكيل التوازنات السياسية داخل البرلمان العراقي، وتفتح الباب أمام قراءة جديدة لطبيعة التحالفات الشيعية، ومستقبل العمل الحزبي تحت مظلة الديمقراطية التمثيلية.

أهداف البحث

1. تحليل الدوافع السياسية التي تقف خلف انضمام نواب شيعة إلى كتلة الإعمار والتنمية.

2. دراسة أثر موقع رئيس الوزراء في إعادة تشكيل الخارطة النيابية.

3. فهم العلاقة بين السلطة التنفيذية والاصطفافات البرلمانية من منظور براغماتي.

فرضيات البحث

يشكل موقع رئيس الوزراء مركز جذب سياسي مؤثر في سلوك النواب.

غياب الضوابط الحزبية الصارمة أتاح سهولة الانتقال بين الكتل.

المصالح الشخصية طغت على المبادئ السياسية، ما أدى إلى تحولات ولائية سريعة.

منهجية البحث
يعتمد البحث على المنهج التحليلي-الوصفي، من خلال رصد حركة النواب وتحليل سياقها، ومقاربة تطور الأداء النيابي الشيعي ضمن البيئة السياسية العراقية بعد 2022.

أولًا: ولادة كتلة الإعمار والتنمية من رحم السلطة
جاء محمد شياع السوداني إلى رئاسة الوزراء بتوافق ضمن الإطار التنسيقي، إلا أن موقعه التنفيذي منحه قدرة على إعادة صياغة موقعه السياسي، فأسس كتلة نيابية مستقلة عن الإطار، قوامها نواب انسحبوا من كتلهم السابقة. وقد مكّنه ذلك من بناء قوة تشريعية داعمة تعزز نفوذه وتوسّع خياراته السياسية.

ثانيًا: التحول في الولاءات الشيعية بين الطموح والمصلحة
شهدت الدورة البرلمانية الحالية انزياحًا ملحوظًا في ولاءات عدد من النواب الشيعة. الدوافع وراء ذلك متعددة:

الطموح الفردي في الوصول إلى مواقع حكومية أو التأثير السياسي.

القرب من مركز القرار بما يوفره من حماية وامتيازات.

الخلل الحزبي وغياب البنية التنظيمية الرادعة.

البرود الإيديولوجي، حيث لم تعد العقيدة أو البرنامج الحزبي أساسًا للتحالف.

ثالثًا: من العقيدة إلى الحسابات
لقد تحوّل عدد من النواب الذين كانوا في السابق من أشد معارضي السوداني إلى داعمين له ضمن كتلة الإعمار والتنمية، ما يشير إلى تراجع المرجعيات الفكرية والأيديولوجية لصالح منطق النفوذ والمكاسب. هذا التحول يُفقد البرلمان دوره الرقابي المستقل، ويحوله إلى امتداد للسلطة التنفيذية.

رابعًا: موقع رئيس الوزراء بين السلطة والتحكم النيابي
في النموذج العراقي، يتمتع رئيس الوزراء بموقع سياسي مركزي نتيجة:

سيطرته على أدوات التنفيذ (المال، المشاريع، التعيينات).

غياب التوازن بين السلطات.

هشاشة الفصل بين التنفيذي والتشريعي.
وقد استطاع السوداني توظيف هذه الأدوات لتأمين ولاءات نيابية تُعزز من استقراره، وتُضعف إمكانية معارضته داخل البرلمان.

بالتالي-
إن ما يشهده البرلمان العراقي من تحولات ولائية لصالح كتلة الإعمار والتنمية ليس مجرد حدث عابر، بل مؤشر على مسار جديد يعكس اختلالًا في بنية التمثيل السياسي. وإذا لم تُعالَج هذه الظاهرة من خلال إصلاح حزبي وتشريعي، فإن النظام الديمقراطي سيتحول إلى واجهة شكلية تحكمها اعتبارات السلطة لا المبدأ، والمصلحة لا الفكرة.

توصيات

1. ضرورة تفعيل قوانين ضبط الحركة النيابية داخل البرلمان.

2. تعزيز المساءلة الداخلية داخل الأحزاب لكبح ظاهرة الانشقاقات المصلحية.

3. العمل على إصلاح النظام الانتخابي بما يمنع استغلال النفوذ التنفيذي في كسب الولاءات.

4. دعم ثقافة الانتماء البرنامجي داخل الكتل، لا الشخصي أو الفئوي.

في نهاية المطاف يُعيد هذا التحول إنتاج سؤال أعمق:
هل بإمكان العراق أن يبني ديمقراطية ذات مضمون حقيقي في ظل هيمنة النفوذ والمصالح الشخصية؟
أم أن الواقع السياسي الحالي يُفرغ النظام من مضمونه، ليصبح شكليًا فقط، في ظل غياب الولاء للفكرة وذوبان المبادئ في بحر المصالح؟