كامل سلمان
المواطن هو الجزيئة الأولى في المجتمع ومنه تخرج كل أجزاء الدولة ، بتجميع الجزيئات يتكون المجتمع وتتكون الدولة فإذا أصيبت هذه الجزيئة بخلل أو نقص سينعكس هذا الخلل على باقي الجزيئات فيصبح شكل المجتمع والدولة مشوهة ، لا يصاب المواطن بالخلل إلا إذا مُنعت حريته وكُتم صوته و صُمّت الأذان لسماع رأيه لذلك فأن الأنظمة الديمقراطية حريصة على أن تعطي الأهمية الكبرى لصوت المواطن ولا يتم كبت صوته ، هذا التقييم لاهمية صوت المواطن الذي جاءت به الدول الديمقراطية نابع من التجارب المريرة التي عاشتها المجتمعات الديمقراطية قبل مرحلة الديمقراطية فخرجت بنتيجة أن الوعي العالي ينطلق من أحترام رأي المواطن وتوصلت تلك المجتمعات إلى المعرفة العلمية الدقيقة بالمخرجات السيئة التي ستصيب المجتمع في حال خنق صوت المواطن ، لذلك كان المشرع القانوني في الدول الديمقراطية على دراية بمساوىء إسكات صوت المواطن سواء أكان بالقوة أو الترهيب أو الأساليب الأخرى التي تحمل نفس الغرض . لو تمعنا في داخل حياة العوائل المتعلمة سنرى هناك إصغاء واستماع لرأي الطفل ومناقشته باحترام من قبل الوالدين وإقناعه بما هو صحيح بشكل يجعل الطفل يشعر بأنه ركيزة أساسية من ركائز البيت لأن التجارب التربوية العلمية أثبتت بأن هذه هي الطريقة الصحيحة لبناء شخصية الطفل وتهيئته للمستقبل ليكون عنصراً مجتمعياً نافعاً والشيء نفسه ينطبق على رأي المواطن داخل المجتمع لا يقل أهمية عن رأي الطفل داخل البيت ، هل يعلم الناس بأن المعلم في مدارس المجتمعات الغربية عندما يتحدث مع التلميذ يناديه بمفردة ( Sir ) أي سيدي تصوروا أن المعلم يقول للطفل سيدي ، كيف سيكون إحساس الطفل عندما يجد الأحترام والتبجيل في البيت وفي المدرسة وفي الشارع ؟ أكيد سيشعر بقيمته وشخصيته منذ نعومة أظفاره ، بهذه الطريقة سيشعر الطفل بأنه جزء من المسؤولية الاجتماعية لذلك نرى الطفل في المجتمعات المتقدمة يسارع إلى نقد الخطأ إذا وقع أمامه في البيت أو في الشارع أو في أي مكان والأجمل هنالك من يستجيب لنقده ، وفي المقابل للأسف الشديد في المجتمعات المتخلفة نجد الطفل لا يعرف الصح من الخطأ بل أن الرجل الكبير أو المرأة المتزوجة لا تعرف الصح من الخطأ ولا تشعر بشخصيّتها ولا تشعر بقيمتها لأنه أو لأنها تعيش في بيئة تم بناءها على مبادىء الخوف وعدم الثقة بالنفس ، فليس الغرض من إشراك عامة الناس في التصويت الإنتخابي في الدول الديمقراطية بأن رأيهم صحيح ولكن ليشعر هذا المواطن بقيمته أمام القانون سواء أكان هذا المواطن جاهلاً أو عالماً ، . كل ذلك يفعلونه لأنهم متيقنون بأن مستقبل البلد يبدأ من هذه الجزيئة التي أسمها المواطن بل من أصغر مواطن سناً وهو الطفل . في الدول المغلوبة على أمرها أول صوت يتم خنقه هو صوت المواطن وأما الطفل فهو آخر من يكون في حسابات الدولة والمجتمع أو لا يكون له وجوداً أصلاً ، أما صوت المواطن المثقف المخالف لتوجهات الحزب الحاكم أو القيادة الحاكمة فأنه صوت مزعج ونكرة يمثل الولاء للأجنبي الذي يريد تدمير البلد كما يحلو لهم توصيفه ، المثقف الحقيقي هو صوت الشعب وصوت الحق الحريص على الوطن ، هذا الصوت عندما ينقطع تنقطع معه أنفاس المجتمع وتدفن الحقائق ، فإسكاته جريمة بحق جيل كامل وربما يتحول هذا المثقف في يوم من الأيام إلى قنبلة مدمرة تهز عروش من أسكتها ولنا في مجتمعاتنا تجارب كثيرة . للأسف مازال الرأي المخالف يعاني من الاضطهاد ومازلنا بعيدين كل البعد عن المستقبل الذي تنشده الأجيال لأن عاداتنا وتربيتنا ومعتقداتنا توحي الينا بأننا يجب أن نقاوم الصوت المخالف ونسكته مهما كان صوتاً سديداً ، بالحقيقة ثقافة قبول الرأي الأخر ثقافة جديدة لم تعهدها مجتمعاتنا المتعودة على رأي الرموز الأقوياء والعناوين المعروفة فمن الطبيعي عدم تقبل مجتمعاتنا للرأي المخالف لكن مشكلتنا ليست بعدم تقبلها بل بكتمها وخنقها لذلك يبقى حلمنا بالمستقبل السعيد أضغاث أحلام ، فطالما هنالك صوت مكبوت مخنوق لا يرى النور سيبقى التخلف جاثماً على عقول الناس وسيبقى المجتمع يعيش حياة ضنكا يعاني ويشكي ويتألم ويتحسر والدولة في ظلام .