ضياء المهندس
في بلدٍ يُطلب فيه من المواطن شهادة عدم محكومية حتى ليصبح موظفًا بسيطًا أو يفتح كشكًا صغيرًا، يبدو أن بعض “المستثمرين الكبار” يدخلون من البوابة الذهبية بلا سؤال ولا تدقيق… فقط لأنهم يحملون حقائب المال!
القصة ليست من فيلم بوليسي، بل من واحدة من أشهر قضايا القتل في العالم العربي.
مغنية لبنانية شهيرة وجميلة، دخلت عالم الأثرياء والنفوذ، فوقع في هواها رجل أعمال مصري نافذ، اعتاد أن يشتري كل شيء بالمال. لكنها لم تكن مستعدة لتتحول إلى “مقتنى” ضمن أملاكه، فابتعدت عنه بعد أن استنزفته ماليًا وغادرت مصر.
لكن الثروة حين تمتزج بالسلطة والغرور، قد تتحول إلى جريمة.
لاحقها الرجل عبر البلدان، حتى انتهى المشهد الدموي داخل فندق في دبي، حيث قُتلت المطربة اللبنانية سوزان تميم على يد ضابط شرطة سابق تحوّل إلى قاتل مأجور، مقابل مليوني دولار، بحسب اعترافاته أمام القضاء.
المتهم؟ رجل الأعمال المصري هشام طلعت مصطفى. والمنفذ؟ ضابط الشرطة السابق محسن السكري.
القضية هزّت الرأي العام العربي عام 2009، وانتهت بأحكام إعدام بحق الاثنين، قبل أن تُخفف لاحقًا إلى السجن المؤبد، ثم يخرج هشام طلعت مصطفى بعد سنوات بعفو رئاسي، ليعود مجددًا إلى عالم الأعمال والاستثمارات.
المفارقة الساخرة أن الرجل نفسه يظهر اليوم عندنا بصفة “مستثمر استراتيجي”، وتحصل مجموعته على آلاف الدونمات قرب مطار بغداد لإقامة مشاريع عملاقة، وسط احتفاء رسمي وكأننا استوردنا عبقريًا اقتصاديًا لا رجلًا ارتبط اسمه بإحدى أبشع قضايا القتل في المنطقة.
وهنا يحق للعراقي أن يسأل: إذا كان المواطن البسيط مطالبًا كل يوم بشهادة عدم محكومية، فلماذا لا تُطلب من المستثمرين الكبار؟ أم أن القانون عندنا يُطبق فقط على الفقير وصاحب المعاملة المتعب؟ وهل أصبحت البلاد إلى هذا الحد عطشى للاستثمار حتى تستقبل أصحاب السوابق بالأحضان؟
العراق لا تنقصه الأراضي ولا الثروات، لكنه يبدو أحيانًا ناقصًا في معايير احترام الرأي العام وذاكرة الناس.
فالاستثمار الحقيقي لا يُقاس فقط بحجم الأبراج والأموال، بل أيضًا بصورة الدولة وهيبتها، وبنوعية الأسماء التي تُمنح مفاتيح المدن والعقود والامتيازات.
أما المواطن… فما زال واقفًا في الطابور، يحمل أوراقه الرسمية، وينتظر ختم “عدم المحكومية”
البروفسور د.ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي