حسين شكران الأكوش العقيلي
في قلب المعركة الخفية التي تُخاض على أرواح الأمم، يقف الاستشراق كأداةٍ ماكرة، تُشهر أقلامها لا بغاية الفهم، بل بإرادة الهيمنة. قد يبدو للعارفين في الظاهر أنه مشروعٌ علمي محايد، يحاول تسليط الضوء على ما هو مجهول، لكن حين نغوص في عمق خطابه، نكتشف وجهاً آخر: وجهاً تَنكَر خلف قناع الأكاديمية، وفي طياته نزعة السيطرة على الصورة والروح.
الاستشراق ليس ابن الفضول المعرفي، بل هو وريث الإمبراطورية في ثوب الثقافة. في القرون التي سبقت، حيث كانت الجيوش تنقضّ على بلاد المسلمين، كان المثقفون الغربيون ينقضّون على الفكر الإسلامي، يشرّحونه كما لو كان جسداً بلا روح، ويعيدون صياغته على أنماط تُرضي مركزية الغرب وتخدم تصوراته عن (الآخر) المجهول.
ولعل أخطر ما في هذه الحرب أنها تُخاض دون أن يُدرك كثيرون ساحاتها. فحين يُدرس القرآن من منظور لغوي صرف، وتُختزل العقيدة الإسلامية إلى نظمٍ قانونية بلا وحي، وحين تُفكك السيرة النبوية إلى روايةٍ تاريخية تخضع للمساءلة المادية، فإننا لا نواجه بحثًا معرفيًا، بل إعادة هندسة للمعنى، وزرعًا للريبة في قلوب المؤمنين.
إن خطاب الحياد الذي يتبناه الاستشراق المعاصر ليس إلا صمتًا متواطئًا، يَسكت عن انحيازٍ بنيوي، ويُخفي تحت طاولة البحث العلمي رغبةً عميقة في إخضاع التصورات الإسلامية لمنظومة الحداثة الغربية. تتحول جامعات الغرب ومراكز تفكيره إلى مصانع لإنتاج سرديات مشوهة، تُستخدم لاحقًا لتغذية وسائل الإعلام، وصياغة السياسات، وتشكيل صورة الإسلام في نظر الآخر.
وهنا، لا بد من وقفة: فالمسلم المعاصر ليس مدعوًا فقط للرد، بل عليه أن يُنتج. عليه أن ينقض أُسس هذه القراءات، لا بإعلان الرفض العاطفي، بل ببناء سردية معرفية أصيلة، تُستنبت من جذور الإسلام، وتُخاطب العقل والروح معًا. لأن المعرفة ليست ملكًا لأحد، ولكن الرواية الأولى لها سلطة، ومن يكتب البداية يحدد مسار الفهم.
فإلى كل من يُقاوم هذه الهيمنة بقلمه وصوته وفكره، اعلم أن الحرب ليست فقط في الميدان، بل في الكتب وفي العقل، وأن الرد لا يكون إلا بنورٍ يخرج من جوهر الدين، يُعرّي التحريف ويُعيد للمعنى قدسيته، وللأمة صورتها الصافية