حسين شكران الأكوش العقيلي
كربلاء لم تكن نهاية، بل بداية. والدماء التي سالت على أرض الطف لم تُسكب لتُنسى، بل لتُستكمل. إن ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) ليس حدثًا منفصلًا عن التاريخ، بل هو الاستجابة الإلهية لنداء الحسين (ع)، وامتدادٌ حيٌّ لثورةٍ لم تُطفأ جذوتها منذ أن نادى: “ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منّا الذلة.”
الطف كتمهيد روحي للظهور
واقعة الطف لم تكن معركةً عسكرية، بل اختبارًا للوعي الإنساني، كشف عن هشاشة الولاء وزيف الجماهير. الإمام المهدي (عج) لا يبحث عن أتباعٍ يصفقون، بل عن أنصارٍ يحملون بصيرة حبيب بن مظاهر، وثبات زهير بن القين، وصدق جون بن حوي. هؤلاء هم النموذج، والظهور هو اللحظة التي يُعاد فيها إنتاج هذا النموذج في زمن الغيبة.
“يا لثارات الحسين”: شعار الثورة لا الثأر
عند ظهوره، يرفع الإمام المهدي (عج) شعار “يا لثارات الحسين”، لا بوصفه نداءً انتقاميًا، بل مشروعًا لإحياء القيم التي قُتلت في كربلاء: العدالة، الكرامة، والحق. فالثأر هنا ليس للدم، بل للرسالة التي أُريد لها أن تُدفن تحت سيوف الطغيان.
من الطف إلى الظهور: مسارٌ لا ينقطع
– الحسين (ع) قدّم النموذج، والمهدي (عج) يُقيم الدولة.
– الطف كشف الانحراف، والظهور يُعالج جذوره.
– كربلاء كانت صرخة، والظهور هو الجواب الإلهي المنتظر.
التمهيد يبدأ من الإنسان
الظهور لا يُستجلب بالسلاح، بل بصناعة الإنسان الذي يرفض الفساد ويُجاهر بالحق. فأنصار المهدي هم الذين تمرّنوا على الصبر، وتربّوا على الوعي، وتمرّدوا على الزيف. إنهم أبناء الطف، وإن لم يولدوا فيه.
الطف كمنهج تربوي للانتظار
من يفهم الطف بعمق، يدرك أن التمهيد للإمام المهدي (عج) يبدأ من إحياء قيم عاشوراء: رفض الذل، نصرة الحق، والوعي بالمسؤولية. فالإمام الحسين (ع) قال: “إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي.” وهذا الإصلاح هو جوهر مشروع الإمام المهدي (عج).
كربلاء والظهور: وحدة الهدف واختلاف المرحلة
كربلاء كانت ثورة في زمن الانحراف الأول، والظهور سيكون ثورة في زمن الانحراف الأخير. كلاهما يواجهان الطغيان، لكن بأساليب تناسب المرحلة. الحسين (ع) واجه بسبعين، والمهدي (عج) سيواجه ب313 قائدًا وعشرات الآلاف من الأنصار، لأن العالم سيكون أكثر تعقيدًا، والفساد أكثر تشعبًا.
من الطف إلى الظهور: خارطة الطريق
– الوعي الحسيني هو البوصلة.
– التمهيد الأخلاقي هو الزاد.
– الانتظار الإيجابي هو الحركة.
– الظهور المهدوي هو الوصول.
الغيبة الكبرى كامتداد للطف
الغيبة ليست انقطاعًا، بل زمنٌ تربويٌ يُهيئ الأمة لفهم مشروع كربلاء. فكما أن الطف كشف زيف السلطة، فإن الغيبة تكشف زيف الولاء، وتُعيد تشكيل الإنسان الذي لا يبيع دينه مقابل راحة أو خوف.
أصحاب المهدي عج هم أبناء الطف
الروايات تصف أصحاب الإمام المهدي بأنهم رجال لا ينامون الليل، قلوبهم كزبر الحديد، لا يشوبهم شك، ولا يخذلهم خوف. إنهم امتدادٌ روحيٌ لأصحاب الحسين، الذين قالوا له: “لو قُتلنا ثم أُحيينا، ثم قُتلنا، لما تركناك.”
الأمة التي تفهم الطف، هي الأمة التي تُمهّد للظهور
التمهيد ليس شعارًا، بل وعيٌ يتجسد في السلوك، في المؤسسات، في الخطاب، وفي التربية. الأمة التي تُحيي الطف بالدموع فقط تُمهّد للظهور. أما الأمة التي تُحييه بالوعي، فهي التي تُعيد بناء الأرض لتكون صالحة لقيام دولة العدل.