حسين الذكر
ثمة نقاط ينبغي ان اشير اليها قبل الدخول في قراءتي الخاصة بالمنجز الابداعي للصديق الكاتب عبد الزهرة خضير لرواية بعنون ( الحلم والمسافة ) :-
اولا: ما أكتبه راي خاص بي ليس له علاقة بالنقد ومدارسه المتعددة فلست ناقد ولا ادعي ذلك لكني امتلك قدرة فهم النص وفقا لثقافتي وذوقي وخصوصيتي التي تمنحني حق الكتابة وان لم تسم نقدا وفقا لنرجسية فهم البعض .
ثانيا : تناولت ثلاث محاور موجزة تخص المنجز ( الرواية واركانها وكاتبها ) ..
رواية ( الحلم والمسافة ) : تعابير باسلوب ادبي يعبر عن خزين ثقافي ووجع يومياتي وترجمان لواقع حياتي نجح الكاتب باستلاله من الواقع واضاف عليه بعض اسقاطات خيالية ليست عبثية ولم تكن مجرد خلق ما يسميه اهل الاختصاص بالحبكة لغرض دوام المتعة وشد المتلقي .. بقدر ما هي قدرة على خلق حالة تمثل ظاهرة مجتمعية ومعاناة شخصية او الاستعارة ما هو قريب منها جراء – ضغط التفسير والتاويل – سيما في ظل ديمقراطية ما زالت في الكثير من تشوهاتها ووجوهها لا تمثل الديمقراطية المنشودة .. مما جعل الكاتب يقفز على القيود عاضا جراحه تحت رغبة جامحة حد الاشتهاء ( الارتوائي ) لاخراج منجزه الاول الذي لم ينفك منذ اول نص فيه من اول صفحة بل ببدايتها قائلا فيه ( واخيرا اكملت روايتي ) مستنشقا عبيق ذاته .. حتى نهايتها المتاثرة او المستوحاة من دراما عربية معتادة في التاريخ الحديث وكذا القديم منه .. تم فيها حرق حبيبين في بيت القرية الغاضبة من عدم تمكن رجالها ونسائها من بلوغ نشوة حب تحولت الى غيرة وحسد وكراهية جعلتهم يستلون السيوف ويقطعون الرؤوس ويحرقون البيوت تحت وقع شعارات رنانة للفتك بالابطال وان كانوا من صناعة خيالية .. لا ننسى بان الخيال الانساني مهما شطح سيبقى يدور بفلك الوعي المعبء باعماق الباطن من خلال البيئة او نتاجات درامية او قصص حكائية او روايات دينية او وصاية اسرية او جينات وراثية … بالتاكيد تشكل المؤثر الاول ليس للتشبيه بل للمحاكاة من اجل اعادة صياغة واقع انساني لم يتغير الانسان فيه منذ اساطير الخلق حتى عصر العولمة .. وان تغير واقعه الف الف مرة .
اركان الرواية : في احدى جلسات نقدية لراوي ورواية ومقدم .. تحدثوا نقاد ومثقفين ومتابعين … عما سموه بالعجب لإحصاءات تقول : في العراق منذ العهد الملكي 1921 حتى 2003 كان انتاج الرواية فيه قاصر على 120 رواية .. فيما خلال عشرين سنة خلت تعدت اكثر من الفين رواية مسجلة .. اما ما لم يسجل منها بالتاكيد اكثر من ذلك .. وقد عقبت قائلا : ان العراق خرج من القرن التاسع عشر كبقية الدول العربية بالثلاثي المشؤوم – الجهل والفقر والمرض – فكيف يكتب رواية .. وقد استمر ذلك الانعكاس الثلاثي لعقود وان تحسن الحال في العهد الملكي كثيرا عما كان عليه في العهد العثماني ..
بعد 2003 شكلت حرية الراي والتعبير والنشر.. افضل مظاهر الديمقراطية التي ظلت مشوهة الى اليوم بكثير مما اعتراها او اريد له ذلك .. لذا فانها فرصة ذهبية لكل من يجد بنفسه الرغبة والقدرة على ترجمان اي فكرة براسه او تجربة حياتية مر بها او خيال خصب او حلم او امنية نتاجية وتحويلها لرواية او اي جنس ادبي آخر لا يمكن منعه من تحقيق رغبته تلك في الكتابة والطبع والنشر ما دامت تحت حدود المتاح من الدستور والقانون والعرف – في الاقل – بالحدود الدنيا او تلك التي يمكن ان نسميها استعارات او اي مصطلح يستخدمه الاخوة الروائيين وان لم يكن ليس من بين ما سموه اركان روايتهم .
الراوي : هو الصديق الرياضي والاستاذ ( عبد الزهرة خضير ) شاب التجربة الكتابية ومنهمك اليوميات الحياتية وغزير الحضور ونهم الاستماع وجيد القراءة ومحب الفن – باقل تقدير – .. احسست بطموحه الجموح حدا لا يمكن لاي ركن وقيد ان يمنعه من تجربة سرديته الاولى او مدونته البكر كرواية او تعابير حية نابضة متمكنة اظهر فيها الكثير من قدرة الكتابة والخيال والحس المجتمعي والالم المتمكن حد الرغبة بالتمرد لهدفية اسمى تسمى الاصلاح وان لم تعد الحروف بكل ما اتيت من بلاغة وعمق ومفعول …. تمتلك قدرة للاصلاح ان لم يكن من مراضعه الاولى !
في الكثير مما دجج فيه الصديق الكاتب عبد الزهرة خضير روايته او مولوده الاول من تشعبات مصطنعة لاغراض ( التشبه الروائي ) من موجعات ومتطلبات الواقع الذي تفنن وحرص على ان يقدم فيه القيم الاخلاقية العليا كوسيلة مهمة للخلاص مما يعتري واقعه الذي فيه كثير من اسقاطات واقعنا الا انه نجح بالصياغات وعرض الافكار التي يريد ايصالها بلغته وفكره ورغباته … مع حاجته الملحة للقراءة المتنوعة بشكل مكثف يومي على امل ان ينتج لنا تؤما آخر بنسخة اكثر تطور تقنيا وفكريا من مولوده الذي احببته بشكله الابداعي ما اختزن واحتوى من تراث او جاد به العالم العولمي..
اختم هنا .. بروح وعقلية الراوي ( زاهر ) الذي ظهر متقمصا بين سطوره وخيالاته وما ضمنها من امنيات وطنية وحرص على سيادة الثقافة والحرية كسبيل وحيد للخلاص من ربقة الواقع المريض والموروث والمؤجند .. حيث ختم روايته نائحا حد الصراخ : بينما كنت ارى رجلا يلقي عبر نفاذة بيته عددا كبيرا من الكتب القدمية والحديثة وهو يردد :
– كل هذه الكتب ونرى رؤوسا تنحر بكل وحشية !
– ثمة خلل اذن .. خلل كبير!