الجالية و خطب صلاة الجمعة (ابتلاءات الدنيا)

فاضل حسن شريف


بسم الله الرحمن الرحيم “يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ” (الانشقاق 6) الآية المباركة تشير الى ملازمة وجود الانسان في الدنيا مع البلاء “الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا” (الملك 2) تحدث خطيب جمعة مسجد الامام الحسين عليه السلام الشيخ حسن العامري عن موضوع (ابتلاءات الدنيا) قائلا لا يتوقع الانسان ان يدخل في هذه الدنيا ويخرج بدون بلاء. البلاء هو الكاشف عن استحقاقات الإنسان عند الله تعالى، وعلى أساس درجات البلاء يستحق الإنسان كذلك درجات الجنة أو النار.

فلسفة البلاء تصنف الى بلاء الدفع وبلاء الرأفة. البلاء الدفعي هو أن بعض العباد يشذون عن الطريق ويبتلون حتى يرجعوا الى طريق الصواب وبالتالي الى رحمة الله ورضوانه ويعترفوا بضياعهم نعمة الله. أما بلاء الرأفة عندما يكون المؤمن خيرا فيبتلى حتى يصل الى درجة أعلى كما في ابتلاء الأنبياء والمرسلين والصالحين. رأى الامام الحسين عليه السلام جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله يقول له في المنام: (إن لك في الجنة درجة لا تنالها إلا بالشهادة).

كل التشريعات التي وضعها الله سبحانه هدفها التغيير الجوهري لنفس الإنسان ومنها شعائر الصلاة والصيام والحج حتى تزداد درجة القربى الى الله عز وجل. ان الله سبحانه وتعالى ليس له فائدة من صلاتنا وصيامنا وهدفها هو تقوى الانسان نفسه “ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ” (الحج 32).

تصورك ان الابتلاء الالهي سلبي هو تصور خاطئ، وما عليك عند حصول بلاء ولو صغير جدا أخذ العبرة منه حتى لا يكبر عملك السيئ وهو في بدايته، فمثلا تخسر مال قليل وهو بلاء فعليك التفكير لما حصل “أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ” (العنكبوت 2)، “وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ” (العنكبوت 3).

ان نفس أو روح الانسان وجسده يتبادلان البلاء. الجسم المادي يمر بمراحل “ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ” (المؤمنون 14). بينما النفس هي صاحبة الاختيار للاقتراب الى الله جل جلاله أو عدمه “وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا 8 قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10)” (الشمس 7-10) وبعدها الحساب “ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ” (الجمعة8). قال أمير المؤمنين عليه السلام (اللهم حبب إلي لقاءك وأحبب لقائي، واجعل لي في لقائك الراحة و البركة والكرامة).

وما حياتنا الدنيا الى سفر الى الله عز وجل ان وعينا ام لم نعي كما هي حركة الكواكب “وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ” (يس 38). ولا بد في السفر من قرين. قال قيس بن عاصم: وفدت مع جماعة من بني تميم إلى النبي صلى الله عليه وآله فدخلت وعنده الصلصال بن الدلهمس، فقلت: يا نبي الله، عظنا موعظة ننتفع بها، فإنا قوم نعمر في البرية. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (يا قيس، إن مع العز ذلا، وإن مع الحياة موتا، وإن مع الدنيا آخرة، وإن لكل شئ حسيبا، وعلى كل شئ رقيبا، وإن لكل حسنة ثوابا، ولكل سيئة عقابا، ولكل أجل كتابا، وإنه لا بد لك يا قيس من قرين يدفن معك وهو حي، وتدفن معه وأنت ميت، فإن كان كريما أكرمك، وإن كان لئيما أسلمك، ثم لا يحشر إلا معك، ولا تبعث إلا معه، ولا تسأل إلا عنه، فلا تجعله إلا صالحا، فإنه إن صلح أنست به، وإن فسد لا تستوحش إلا منه، وهو فعلك).

قال الله عز من قائل “الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا” (الكهف 46) معظم الناس يتصورون أن السعادة بالغنى والمال واذا بها في لحظة ينزل البلاء عليها فتفنى. وهذا الانسان نفسه شبابه في جمال ورقي علمي فكيف يصبح في المشيب “وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا” (النحل 70) فالذي لا يفنى والسعادة الدائمة هي القرب من الله جلت قدرته لتكون هدف السفرة الحقيقية في هذه الحياة هي الجنة “لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ” (ق 35)، “وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ” (التوبة 21). بعض الناس سعادتهم الوصول الى درجات عليا وهي جنة الرضوان “وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ” (التوبة 72).

النفس أو الروح هي اساس القرب الى الله جل ثناؤه والابتعاد عن وساوس الشيطان حيث الموت يأتي ولا تعرف زمانه ومكانه “وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ” (لقمان 34).