هل العراق أمة ؟

كامل سلمان

علينا أولاً تعريف مفردة الأمة التي لا يعرفها غالبية الناس ، في المفهوم القرآني الأمة تعني القوم أو القومية التي يتبنى أبناءها نفس المعتقد لذلك القرآن يطلق على العرب أمة بعد أن أصبحت لهم نفس المعتقد وهو الإسلام ولم يكن العرب قبل الإسلام أمة بل كانوا قوم ، أما على مستوى الأمم والمستوى السياسي فأن تعريف الأمة هو تعايش الناس سوية في بقعة من الأرض ضمن جغرافية موحدة ولأجيال عديدة فيصبحون جميعهم بمرور الوقت أمة واحدة مع اختلاف الأنساب أو الأصول أو الأعراق واختلاف المعتقدات خاصة إذا تشابكت المصالح والأرحام ، فهذه أمريكا التي تجمعت من أمم وأقوام مختلفة بمرور بضع مئات من السنين أصبحت أمة واحدة بفضل دستورها الذي جمع الناس تحت مظلة واحدة و أعطت المساوات للجميع فأصبح كل مواطن يدعي بأنه أبن الأمة الأمريكية ولم يقل أنا هندي مثلاً لأنه جاء من أصول هندية أو يقول أنا صيني لأنه جاء من أصول صينية وكذلك جميع الأصول الأوربية والأفريقية الموجودين في أمريكا يتفاخرون بانتمائهم للأمة الأمريكية لأن جميع سكان المجتمع الأمريكي وبمختلف عروقهم لهم نفس الحقوق والواجبات والكل سواسية أمام القانون وهذه هي أصل المواطنة أن لا تشعر بالتمييز . في فرنسا وانكلترا وباقي الدول الأوربية بدأ المهاجرون الوافدون لهذه البلدان يشعرون تدريجياً بأنهم جزء من الأمة الفرنسية والإنكليزية وكذلك الحال في كندا وأستراليا ، العرب في البرازيل والأرجنتين والسلفادور وغيرها من الدول اللاتينية أصبحوا جزءاً من الأمم التي يعيشون فيها ، في العراق تعايشت الأقوام و الأمم سوية منذ آلاف السنين ، تصاهروا وتبادلوا المصالح والثقافات والعادات واليوم أصبحت هذه الأمم لا تطيق بعضها بعضاً بل تتهم بعضها الأخرى بأن أصولها زاحفة من الهند أو أسيا الوسطى أو الجزيرة العربية وتتهم بعضها بأنها ليست شريحة أصيلة من هذا البلد ، كل ذلك يحصل بسبب عدم وجود الدستور المنصف ووجود سلطة القوي على الضعيف ووجود الظلم والتمييز ، فلو أعطي اليوم حق تقرير المصير لمكونات الشعب العراقي سيصبحون أمماً متنافرة ، حتى العشائر ستصبح أمماً ، المشكلة نحن نريد أن نكون أمة واحدة ولكن نريدها بالشعارات ، ونريدها بمزاجية من هو أقوى أي أن الكل تحت سلطة الأقوى ، ليس مستحيلاً أن نصبح أمة واحدة إذا عرفنا الطريق إلى الوحدة ، إذا عرفنا بأن كرامة الإنسان يجب أن تكون مقدسة مهما كان نسبه ، فكما نلاحظ اليوم أصبحت قيمة المجتمعات بقيمة حقوق الإنسان فيها وبقيمة دساتيرها العادلة وليست الدساتير الفاشلة . هذه ليست وحدة أن نعيش سوية ونكره بعضنا بعضاً ، ويغدر بعضنا ببعض ويسرق حقوقه ، هذه لحظات من الغباء تتحول الأمور فيها لاحقاً إلى صراعات دموية . نخاف الفيدرالية لإن فيها شيء من الحرية فكيف سنعرف معنى الوحدة . بعض شعوب العالم تختار من خلال الإستفتاء الوحدة مع دول أخرى وهي شعوب مستقلة بالأساس ، فلننظر إلى العائلة العراقية عندما يريد أحد أبناءها الإستقلالية بحياته لأنه كبر وتزوج تقوم القيامة وكأنه أرتكب جريمة وتمرد من قبل هذا المنفصل عن عائلته فيحاربوه وربما يتبرأون منه لأنه تجرأ أن يستقل بنفسه وزوجته ، فكيف سنرضى كمجتمع باستقلالية مكون ضمن فيدرالية؟ علينا أن نعرف بأن الإنفصال والفرقة والابتعاد خير من وحدة مزيفة وخير من الغدر والخيانة وخير من وحدة وراءها اقتتال وسفك دماء ، فالإنسان أينما كان هو نفس الإنسان يستطيع أن يقرر حياته وليس من حق الأخرين أن يقررون له حياته ، لا توجد دولة في التأريخ حافظت على نفسها منذ بداية تأريخها ليومنا هذا ، فكل الدول تتغير جغرافياً ولا توجد حدود دولة هي نفسها قبل مئتي عام ، ، من ينظر للأمور بهذا الشكل فهو ينظر للمستقبل وكأنه يجلب المستقبل للحاضر ، بينما من يذهب إلى استخدام القوة والعنف للحفاظ على الوحدة مع وجود الظلم والتمييز والكراهية فلن يحصل على بلد متحضر مواكب للأمم . إذا كنتم تريدون أن تخلقوا أمة موحدة من أمم متناقضة وتريدونها أمة مخلصة وفية مضحية يجب أن يكون الغجري والبدوي واللقيط والمجنون والمثلي والعاهر لهم نفس حقوق وواجبات أرقى أبناء العشائر والعوائل نسباً ، هل نستطيع فعل ذلك ؟ هل نستطيع أن نساوي بين الجميع ؟ من المستحيل أن نصل لهذه المرحلة ، بينما هذه المرحلة هي جزء من حياة المجتمعات المتقدمة ، فأننا مجتمع طبقي بالأنساب والجذور والفطرة وليست لنا القدرة أن نتغير ، وإذا حدث أن نظهر غير ذلك كي نثبت بأننا لنا إنفتاح مع الثقافات الأخرى فهذه كذبة ، وها نحن ندفع ثمن الأكاذيب السابقة ، كراهية وتنافر وحقد فبمجرد أن تتغير الأحوال نعود إلى المربع الأول من الإنتقام كما تعودنا لمئات السنين . تلخيصاً لما ورد أعلاه العراق حالياً في الظاهر أمة واحدة لكن واقعاً العراق عبارة عن أمم متنافرة كل أمة تتحمل آلامها على مضض تنتظر اللحظة المناسبة لتقرر تشتتها والسبب هو التكابر الذي يلف عقول المتحكمين بالبلد وعدم مراعاتهم لحقوق الجميع بالتساوي وعدم احترامهم للدستور وعدم فهمهم لمفهوم التعايش مع الآخرين .