إنتهاء صلاحية الإسلام السياسي

كامل سلمان

لو رجعنا إلى تأريخ الإسلام السياسي لخلصنا إلى القول بأن جميع أنظمة الحكم الإسلامية في العصر الحديث قد فشلت فشلاً ذريعاً ولم تحقق هذه الأنظمة الحد الأدنى من النجاح ، السبب يكمن في فهم معنى مفردة ( الحُكم ) المتكررة كثيراً في القرآن الكريم والتي يعتمدها الإسلاميون كدليل على بناء نظام الدولة الإسلامية . مفردة الحكم التي تكررت في القرآن الكريم لم ترد بمعنى نظام إدارة الدولة بل جاءت بمعنى الحكمة أو بمعنى حل المشاكل بين الناس أو قول الفصل ولم تكن مفردة الحكم في تأريخ اللغة العربية بأي حال من الأحوال تعنى نظام إدارة الدولة لكن المفردة دخلت في العصر الحديث القاموس السياسي فسميت إدارة الدولة ( الحكم ) . هنا اعتقد المغفلون بأن مفردة الحكم التي تكررت بالقرأن المقصود بها إدارة الدولة ، هذا الجهل بين مفهوم الحكم في القرآن واللغة العربية وبين مفهوم الحكم في عصرنا أوقعت الإسلاميين في الخطأ الفادح وهذا الشيء بالضبط يشبه استخدام مفردة الذرة في القرآن الكريم التي تعني صغر الحجم وهي مفردة يستخدمها العرب في أحاديثهم فصار التحجج بأنها تعني نفس مصطلح الذرة التي أكتشفها علماء الفيزياء وتفاصيل الذرة وتركيباتها هذه المغالطات راح ضحيتها الإسلاميون فأدخلوا الدين في السياسة والعلم من دون علم … إدارة الدولة العصرية تعتمد على القوانين التي تتغير بإستمرار والدساتير المعدلة مع التطور ، فلو تمعنا بجميع دساتير دول العالم سنلاحظ هناك تغيرات مستمرة في هذه الدساتير مع تطور الزمن وتغير الأحوال ولا يوجد دستور ثابت للأبد ، فكل شيء متغير يختلف عن كل شيء ثابت . قد يسأل أحدنا ألم يكن عهد الخلفاء نظام حكم إسلامي ؟ الجواب أكيد لا ، نظام حكم الخلافة هو نسخة طبق الأصل من نظام حكم الملوك . فعندما يتسلق دعاة إقامة حكم الله إلى السلطة سيبحثون عن تنصيب الخليفة والخليفة هو ملك له سلطة مطلقة لكنه يتميز بالتواضع في المأكل والملبس ويضع العمامة على رأسه بدل التاج ، هذا الخليفة هو القانون وهو السلطة المطلقة ، قد يستشير بعض المقربين لكن لا يعترف بمجلس تشريعي ولا بمجلس تنفيذي ولا بمجلس قضائي فهو وكيل الله في الأرض ، مثلاً حرية الرأي ليست لها وجود في حكم الخليفة مثلاً الفيدرالية مخالفة لدولة الخلافة جملة وتفصيلاً بينما هي ضرورة عصرية لبعض البلدان ذات التنوع الديني والقومي حتى في الدول الإسلامية ، فالدول التي طبقت الفيدرالية تخلصت من مشاكل عرقية دموية كبيرة بينما الدول التي رفضت الفيدرالية عانت من الانقسامات أو المشاكل ولنا في سوريا مثالاً حياً حروب دموية يومية مع الأقليات لأن الدولة ترفض الأعتراف بالفيدرالية وفي حالة يوغسلافيا سابقاً تم تقسيم دولة يوغسلافيا إلى ستة دول لأن الحكومة اليوغسلافية السابقة بناءاً على معتقدها الأممي رفضت الفيدرالية وأعتبرتها بأنها بدعة الرأسمالية الغربية فدفعت ثمن تعنتها وتخلفها أن تتقسم دولة يوغسلافيا . لماذا هذه المشاكل حالياً محصورة في دول الشرق الأوسط التي لها تنوع عرقي وديني ؟ لأن هذه الدول تحاول التشبث بقوانين الخلافة من ناحية وبالدولة المدنية الحديثة من ناحية أخرى ، تناقضات صعبة المزج بينها ، حتى مبادىء الديمقراطية التي تستوجب رأي المواطن في انتخاب ممثل عنها في قيادة البلد هي مرفوضة دينياً لأن في الدين رأي الفقيه الجامع للشرائط فقط هو الرأي المقبول ففي إيران مثلاً تركوا للمواطن حرية اختيار رئيس الدولة كنوع من تزاوج نظام الحكم الإسلامي مع النظام الديمقراطي لكن نفس رئيس الدولة المنتخب ديمقراطياً هو مجرد موظف يأتمر بأوامر الولي الفقيه الذي لم ينتخبه أحد والأمثلة كثيرة . المشكلة ليست بفشل الإسلام السياسي فالفشل نتيجة طبيعية لهوس الحكم الإسلامي الذي ليس له وجود أصلاً لكن مشكلة الإسلام السياسي ما بعد الفشل يحل العنف كبديل للسير قدماً لتثبيت الدولة الاسلامية بالضبط كما تفعله الأنظمة الدكتاتورية فينتشر الفساد وتضيع العدالة وتتفسخ الدولة ، نعم قد تستمر دولة الإسلام السياسي لمدة إضافية بسبب العنف ووجود القواعد الجماهيرية الواسعة ، لكن هذه القواعد الجماهيرية غير مؤثرة رغم كثرتها لأنها غير متعلمة وهي من طبقة الجهلاء والدولة لا تقام بالجهلاء ، فظاهراً تكون الدولة قائمة وقوية لكنها بالحقيقة متآكلة ضعيفة لا تقوى على التواجد بين الأمم ، فهذه الأمم تتطور كل يوم . لا يمكن أن نسمي الدولة الفاشلة دولة ونقارنها بالدول الناجحة . الدول الناجحة تخلق بشراً ناجحين وحياة ناجحة والدول الفاشلة تخلق بشراً فاشلين مهزومين وحياة تعيسة ، جميعنا نعلم بأن أفضل العلماء والأطباء والمهندسين وغيرهم المتواجدين في دول العالم الغربي هم من مهاجري الدول الإسلامية ودول العالم الثالث ، فلماذا هؤلاء العلماء في دولنا فاشلين وفي الدول الغربية ناجحين لأن أنظمة الحكم في الدول الغربية تحفز النجاح عند الإنسان وهذا هو الفارق الذي لا يفهمه الإسلاميون بأن هناك نظام حكم ناجح ونظام حكم فاشل . من الخطأ ربط الدين الإسلامي الحنيف مع الدولة فالدين الإسلامي دين كباقي الأديان جذوره راسخة في قلوب الناس ، رغم فشل الحكومات الإسلامية بقي الدين ، فلولا أنه دين للقلوب لانتهى هذا الدين مع أول سقوط للدول التي أدعت إنها إسلامية وهذا يدل على إن الإسلام دين مقبول لبناء الأخلاق وبناء الفرد والمجتمع وليس لبناء الدولة وحتى الرسول محمد ع لم يؤسس دولة إسلامية بل أسس مجتمع إسلامي فمن أراد الاقتداء بنبيه عليه أن يبقي الدين بعيداً عن أهواء الحكم فدماء الناس أغلى من الحكم ويجب أن تتوقف المحاولات البائسة لجعل الدولة تحت وصاية الدين ورجال الدين ، فالدولة نظام حكم يدار من قبل متخصصين بشؤون الحياة وليسوا متخصصين بشؤون الدين فادارة الحياة تعتمد على تراكم الخبرات وعطاء العلماء فالعلم أثبت مصداقيته ويومياً من نجاح إلى نجاح . يجب أن تنتهي فكرة بناء الدولة على أساس ديني لأنها ستكون بلا أدنى شك كسابقاتها فاشلة متهرئة تقام بالعنف والدم وتنتهي بالدم .