كثرة الشيوخ الجدد والوثيقة قبل مئة عام  

حسين شكران الأكوش العقيلي

في زمنٍ كانت فيه الوثيقة تُكتب بالحبر على ورقٍ أصفر، وتُختم بختمٍ من نارٍ وصدق، كانت المشيخة تعني شيئًا آخر غير ما نراه اليوم. لم تكن لقبًا يُمنح في جلسةٍ عشائرية عابرة، ولا وجاهةً تُشترى بالمال أو تُستعجل بالمديح. كانت المشيخة امتدادًا طبيعيًا لزمنٍ من الحكمة، وسنواتٍ من الصبر، وشرعيةٍ تُبنى على خدمة الناس لا على استعراضهم.

الوثيقة التي كُتبت قبل قرنٍ من الزمان، في إحدى قرى الجنوب أو مضارب الفرات، لم تكن مجرد ورقة نسب، بل كانت مرآةً للهوية، وشهادةً على أن الشيخ كان يُختار لا يُعيّن، ويُحمل لا يُدفع، ويُحترم لا يُروّج له. تلك الوثيقة كانت تُحفظ في صندوقٍ خشبي، وتُقرأ في المجالس الكبرى، وتُستشهد بها عند النزاع، لأنها كانت تمثل ذاكرة الجماعة، لا طموح الفرد.

أما اليوم، فقد تكاثرت الألقاب كما تتكاثر الألقاب الأكاديمية في زمن التساهل. صار كل من امتلك مالًا أو ميكروفونًا أو حسابًا في مواقع التواصل شيخًا. لم يعد الشيخ يُعرف بخطاه في الإصلاح، بل بعدد من يصفق له. ولم تعد المشيخة مسؤولية، بل أصبحت وجاهةً تُلبس في المناسبات وتُخلع عند أول اختبار.

هذا التحول لم يأتِ صدفة، بل هو نتيجة تراكمات اجتماعية وثقافية، وانحسار المعايير، وتراجع دور المرجعيات العشائرية الأصيلة. لقد أصبحنا أمام مشهدٍ عشائريٍ مشوش، فيه الشيخ الحقيقي يُهمّش، والشيخ الطارئ يُحتفى به. وبينهما تضيع القيم، وتتشظى الهوية، ويُستبدل التاريخ بالاستعراض.

إن كثرة الشيوخ الجدد ليست مجرد ظاهرة اجتماعية، بل هي أزمة قيادة رمزية، تكشف عن خللٍ في فهمنا للسلطة، وتراجعٍ في احترامنا للشرعية التاريخية. فحين يُصبح اللقب متاحًا للجميع، يفقد معناه، وحين تُمنح المشيخة بلا وثيقة، تُفقد الوثيقة قيمتها، وحين يُستبدل الشيخ الحكيم بالشيخ المُعلن، يُستبدل الإصلاح بالضجيج.

ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة هو أنها تُعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتُربك الأجيال الجديدة في فهم من هو القدوة، ومن هو صاحب الحق، ومن هو مجرد واجهة. فالمشيخة ليست عباءة تُرتدى، بل ميراثٌ يُحمل، وتاريخٌ يُحترم، ومسؤوليةٌ تُؤدى. ومن لا يحمل هذا الثقل، لا يحق له أن يتصدر المشهد، مهما علا صوته أو كثرت صورته.

إن العودة إلى الوثيقة القديمة ليست حنينًا للماضي، بل دعوة لإعادة الاعتبار للمعايير، وللشرعية، وللأصالة. فالمجتمع الذي لا يحترم ذاكرته، يُعيد إنتاج فوضاه. والمشيخة التي لا تُبنى على خدمة الناس، تتحول إلى عبءٍ عليهم. وبين شيخٍ يُصلح، وآخر يُزيّف، يبقى التاريخ شاهدًا، والهوية في مفترق طرق.

ولعلنا اليوم، أكثر من أي وقتٍ مضى، بحاجة إلى ميثاقٍ عشائريٍ جديد، لا يُمنح فيه اللقب إلا لمن يستحقه، ولا تُنسى فيه الوثيقة إلا بعد أن تُكتب وثيقةٌ أخرى، تحمل نفس الصدق، ونفس النار، ونفس الحبر.