وليد الطائي
من يفتّش في تاريخ العراق يجد أن كلمة “الغوغائيين” لم تكن يومًا مجرد وصف لغوي، بل سلاح سياسي جاهز يُشهر بوجه كل مَن يرفض الظلم ويتمرّد على الطغيان. والغريب أن هذا الوصف تكرّر عبر العصور، من العهد الأموي، إلى العهد العباسي، إلى العثمانيين، وصولًا إلى النظام العفلقي الصدامي، الذي جعل من التهميش والقتل سياسة دولة، ومن الشتيمة لغة رسمية.
منذ واقعة كربلاء، حين خرج الحسين (ع) بثورته العظيمة، ووصم الأمويون أنصاره ومحبيه بأنهم “غوغاء” خرجوا ضد الدولة، ونحن أمام سلسلة متواصلة من استهداف المكون الشيعي بهذه النعوت. كلما رفع الشيعة صوتهم دفاعًا عن حق أو مقاومة لاحتلال، اتُّهموا بأنهم غوغاء، رعاع، أو أتباع أجندات خارجية. والحقيقة أنهم كانوا دائمًا صوت العراق الحقيقي وضميره الحي.
في ظل النظام الصدامي العفلقي، بلغت هذه السياسة ذروتها. فالسلطة البعثية لم تكن تكتفي بقتل المعارضين ودفنهم في المقابر الجماعية، بل كانت تصنع ماكينة إعلامية تشتمهم صباحًا ومساءً: “غوغائيون، روافض، عملاء، شروگية”. لقد أراد صدام أن يُلغي إنسانيتهم قبل أن يُلغي حياتهم، وأن يحوّل مطالبهم في الحرية والعدالة إلى مجرد “ضجيج غوغائي”.
لكن السؤال: من كان الغوغائي حقًا؟
هل هو المواطن الشيعي الذي طالب بفرصة عمل وكهرباء وكرامة، أم النظام الذي أغرق العراق بالحروب والدمار؟
هل هو الشاب الذي هتف في الانتفاضة الشعبانية، أم الطاغية الذي وجّه الدبابات لسحق المدن والقبور الجماعية؟
الغوغائية الحقيقية كانت في العقل العفلقي، الذي لم يعرف دولة ولا مؤسسات، بل عرف الحقد والكراهية وشهوة الدم.
اليوم، حين يُعاد استخدام كلمة “غوغائيين” ضد الشيعة أو ضد أبناء الجنوب، فهي ليست سوى امتداد لذلك الخطاب الصدامي. الإعلام البعثي لا يزال حيًا، بأقلام جديدة ووجوه جديدة، لكنه يكرر ذات المعزوفة: تشويه، ازدراء، وإنكار لدور هذا المكون الأساسي الذي قدّم التضحيات ليبقى العراق واقفًا.
إن الشيعة في العراق لم يكونوا غوغاء يومًا، بل كانوا المحراث الذي زرع الأرض، والدم الذي حمى الوطن، والصوت الذي رفض الاستسلام. ومن يحاول اختصارهم بكلمة “غوغائيين” إنما يُثبت أنه لا يزال أسيرًا للذهنية الصدامية التي لفظها التاريخ.
الوعي الشعبي اليوم تجاوز هذه المصطلحات. لقد أدرك الناس أن مَن يصفك بالغوغاء يخاف من وعيك، يخشى من حقيقتك، ويرتعب من إرادتك. والغوغائية الحقيقية هي سياسة الطغاة، أما الجماهير فهي حقيقة التاريخ.