كامل سلمان
لماذا البعض من الناس يتصورون بأن طائفتهم هي هويتهم ، يتفاخرون ويستعرضون أنفسهم في مجتمع متعدد الطوائف والأعراق جاعلين من طائفتهم علامة فارقة تميزهم عن الآخرين فيشعر الأخرون بأنهم دون تلك الطائفة التي بيدها السلطة فتنمو في احاسيسهم الأحقاد والكراهية ، من هنا تبدأ الفتنة علماً هذا تمييز عنصري لمن لا يدرك معنى التمييز ، الطائفة ليست محل تفاخر فهي مجرد اعتقاد ديني موروث ، وكأي معتقد له التبجيل والقدسية في نفوس معتنقيه فهذا لا يعني بأن هذه الطائفة لها القدسية في نفوس الآخرين قد تكون محل سخرية لغير المعتقدين بها ، هذه حقيقة المعتقدات المقدسة التي يراها اتباعها مقدسة ويراها مناوئوها خرافة ومهزلة ، فمهما ترى طائفتك وعقيدتك رائعة فهي قد تكون سخيفة بنظر الآخرين وليست لها قيمة تذكر فلا تتعامل مع الأخرين من منطلق معتقدك لأنك ستزيد من امتعاض الناس لك وتزيد من نفور الناس منك ، هذا جهل أن تخلق الكراهية لنفسك من لا شيء ، إذا تذكرت هذه المعلومة دائماً وجعلتها ميزاناً لأعمالك وسلوكياتك ستتوازن عقيدتك مع الواقع وستجعل عقيدتك محترمة بدل أن تكون مقرفة وتكون أنت محترم بدل أن يحسبوك جاهلاً ، فلا تذهب بعيداً وترى نفسك محلقاً في عالم الغرور والجهل ، الطائفة ليست هوية ولن تكن هوية في يوم من الأيام . الوطن هوية ، القومية هوية ، العرق هوية ، الدين بعض الأوقات هوية ، اللغة أحياناً هوية ، من يحاول الإيهام بأن الطائفة هوية فهو واهم ، في بعض المناطق وخاصة الريفية تعتبر العشيرة هوية لكن هوية على مستوى الأنساب تنتهي صلاحيتها عند حدود الوطن ، بعض الناس عندما يتحدثون يحاولون الإيحاء إلى الطرف الأخر بأن طائفتهم هي هويتهم وهي رمز للتفاخر ، للعلم أي شخص داخل المجتمع يستطيع تغيير طائفته بسهولة وفي أية لحظة كانت سواء أكان ذلك صدقاً أو رياءاً أو خوفاً فكل متغير لا يصلح أن يكون هوية ، فليس من الحكمة طرح الطائفة كهوية . من حقنا أن نتساءل أين ومتى صارت الطائفة هوية ؟ الجواب ببساطة صارت الطائفة هوية في البلدان والمجتمعات التي ضاعت فيها الهوية الحقيقية ، المجتمع الذي تتكاثر فيه الهويات مجتمع فاشل وعاجز وسهل الاختراق من العدو وسريع الاشتعال بنار الفتن ، لاشيء يجمع الناس على الحب والألفة مثل الهوية الحقيقية التي هي المكان الذي يجد فيه الإنسان كرامته محفوظة ويتساوى الجميع أمام القانون فذاك المكان وذلك المجتمع هو هوية الإنسان الحر ، كلنا نتذكر أيام الحرب الطائفية في العقد الأول من القرن الحالي كيف برزت الطائفة كهوية ، كلنا نتذكر ما حدث للناس من خوف وقلق وكيف أصبحت الحياة جحيم لا تطاق بسبب الطائفية ، فهل نسي الناس السيطرات الوهمية وهل نسي الناس كيف أصبح القتل عادة لكل طائفة ، ملامح الوجه ومحل السكن والأسم دلالات الطائفة أو المذهب ومن خلالها تشخص الهوية فكانت تلك الفترة وصمة عار أبدية عندما أصبحت الطائفة هوية ولسنا بحاجة إلى استذكار مساوىء تلك المرحلة المظلمة . . . هذا هو الانحراف العقلي الذي أصاب بعض الناس عندما اقتنعوا فعلاً بأن الطائفة هوية ، مثلما أصاب الانحراف العقلي أناس أخرين في بعض المجتمعات الأخرى عندما اقتنعوا بأن المثلية الجنسية هوية وأصبحت لهم شعار وعلم ، فهؤلاء شواذ داخل مجتمعاتهم شبه منعزلون وبسبب انعزالهم طالبوا بخصوصياتهم وهويتهم ، الإرهاب أصبح هوية عند المتطرفين ، المليشيات أصبحت هوية للخارجين عن القانون ، ، لا ينبغي للعاقل تقليد السوء فهذه إشارات سلبية مدمرة يجب الانتباه اليها ومعرفة عمق الكارثة التي تعيشها مجتمعاتنا . نحن بحاجة إلى مايجمعنا لا ما يفرقنا بحاجة ما يخفف عنا التوترات لا ما يزيدها . وأخيراً من الخطأ إعطاء للطائفة هوية في مجتمع متعدد الطوائف ومن الخطأ إعطاء للعرق هوية في مجتمع متعدد الأعراق ، فكل شيء مختلف ومتعدد بين الناس يجب أن لا يكون محل تفاخر لأنه بالنهاية يتحول إلى فتنة وكراهية ، أنظروا إلى المجتمعات المتحضرة كيف جعلوا من التعددية مصدر قوة لا مصدر تناحر وفتن ! فلنتعلم قليلاً من تلك الأمم فأن عفونتنا الفكرية صارت تزكم الأنوف .