بعد مخاض عسير إيران توشك على التحكم بولادة مرحلة سياسية إقليمية ودولية جديدة
بقلم : محمد علي الحريشي
تتجلى الصورة العامة في إقليم غرب آسيا وتتضح معالمها أكثر من قبل أن تولد، في ظهور مرحلة جديدة تشهدها المنطقة، يأفل فيه عهد الهيمنة والوجود الأمريكي وتنحصر فيه أحلام التوسع والعنجهية الصهيونية في المنطقة، لم تأتي مرحلة العدوان العسكري الأمريكي والصهيوني المباشر على جمهورية إيران الإسلامية، إلا بعد نفاد كل أساليب الحرب الناعمة والصلبة غير المباشرة التي شنتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة على إيران، منذ نجاح الثورة الإسلامية في إيران أي منذ عام 1979،فمنذ ذلك التاريخ؛ واجهت جمهورية إيران الإسلامية حرب أمريكية صهيونية ضروس، تمثلت في دعم وتمويل وتسليح الحرب التي شنها النظام العراقي السابق، ضد النظام الثوري الإسلامي الوليد في إيران على مدى ثمان سنوات، وإعلان الحرب الإقتصادية، وتأسيس قواعد عسكرية أمريكية في الدول الخليجية، وعسكرة مياه الخليج الفارسي بعدد من البوارج والسفن الحربية الأمريكية، وتشجيع المخابرات الأمريكية والصهيونية لخلق حالة الخلافات وبث التخوفات من النظام الثوري الإسلامي الإيراني داخل الدول الخليجية والعربية، كل تلك الأساليب والمخططات الخبيثة، واجهتها القيادة والشعب الإيراني بالصبر والحكمة، وفي نفس الوقت أدركت القيادة الإيرانية مدى خطورة المؤامرات الأمريكية والصهيونية على الحاضر والمستقبل الوجودي لها، فعملت القيادة الإيرانية على الشروع في خلق معادلات التوازن والردع، وذلك ببناء قواتها العسكرية على أسس العقيدة القتالية الإيمانية الجهادية، وتطوير صناعاتها العسكرية النوعية لتصل إلى مراحل متقدمة، رغم الأثار الإقتصادية السيئة، بسبب الحصار والمقاطعة الإقتصادية الأمريكية والغربية عليها.
منذ بداية العقد الثاني من القرن الحالي، حققت الديبلوماسية الإيرانية نجاحاً كبيراً، في نسج علاقات ديبلوماسية متنامية، مع عدد من الدول الخليجية خاصة السعودية، تم ذلك بوساطة صينية، وكان الإستجابة السعودية النسبية بعودة علاقاتها مع إيران، ناتجة عن الأوضاع العسكرية والسياسية السيئة التي كانت تمر بها، بسبب عدوانها الفاشل على اليمن،وماتكبدته من فشل عسكري وهزائم من قبل القوات المسلحة اليمنية، لو لم تواجه السعودية أزمات ومشاكل عسكرية وسياسية، جراء عدوانها على اليمن، لما تزحزحت قيد أنملة عن مواقفها المعادية لإيران، بل نجحت القيادة الإيرانية بنسج علاقات مع عدد من البلدان العربية الفاعلة مثل مصر، هنا إستشعرت الأطراف الأمريكية والصهيونية مدى الخطورة الإستراتيجية على مشاريعهم الإستعمارية والتوسعية في المنطقة، الذي يشكله عليهم التقارب السياسي الإيراني مع المحيط الخليجي والعربي، ولايخفى القلق الصهيوني الكبير من تنامي العلاقات الإيرانية المصرية والإيرانية الخليجية، وهي تدرك أن تلك العلاقات سوف تنعكس بالسلب على المشاريع التطبيعية والإبراهامية في المنطقة الخليجية، وقد بدا التنفيذ الفعلي لمشروع بناء دولة إسرائيل الكبرى من تاريخ شن العدوان الأمريكي والصهيوني على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وبالتزامن مع معركة طوفان الأقوصى، باشرت الإدارة الأمريكية وبدفع من قبل حكومة كيان العدو الصهيوني، بالتخطيط لشن عدوان عسكري مباشر على إيران، بهدف القضاء على النظام الثوري الإسلامية في إيران وقلب نظام الحكم فيها، وتقسيم الدولة الإيرانية إلى دويلات عرقية ممزقة ومدمرة، كل ذلك ذلك من أجل إفساح المجال، لتحقيق قيام الشرق الأوسط الأمريكي الجديد، وقيام دولة إسرائيل الكبرى (من النيل إلى الفرات). ومن أجل نجاح مشروع التطبيع ومشروع «إبراهام» بشكل كامل، كان أمام الإدارة الأمريكية،وحكومة كيان العدو الصهيوني، مشاريع لابد من إنجازها ومنها:
1– تصفير القضية الفلسطينية والقضاء عليها، بتهجير سكان غزة إلى سيناء المصرية، وبعد ذلك تهجير سكان الضفة الغربية إلى الأردن وإلى عدد من البلدان الخليجية.
2– إضعاف الدولة المصرية وتمزيق وحدتها بخلق مشاكل عديدة وبؤر توتر تستهدف الأمن القومي المصري،وخلخلة المجتمع المصري، مثل تمويل إنشاء سد النهضة في أثيوبيا، وخلق جبهات قتالية في السودان وليبيا، وعمل مشروع قناة بن غوريون لضرب قناة السويس، وتمويل وتشجيع خلايا إرهابية داخل مصر خاصة في سيناء، تستنزف القدرات العسكرية والأمنية المصرية، وغيرها من المشاريع العدوانية التي تستهدف إضعاف وتمزيق مصر، لأ الأمريكي والصهيوني يدركون إستحالة قيام دولة إسرائيل الكبرى في وظل وجود الدولة المصرية القوية والموحدة.
3–تشجيع ودعم خلق كيان إنفصالي في جنوب اليمن، «المجلس الانتقالي الجنوبي» يرتبط بعلاقات سياسية وعسكرية مباشرة مع كيان العدو الصهيوني.
وغيرها من المؤامرات والمخططات العدوانية التدميرية في المنطقة العربية، حتى وصل الزهو الصهيوني والأمريكي، أنهم يصرحون علناً بقرب قيام دولة إسرائيل الكبرى، كانت تلك التصريحات تصدر قبل شن العدوان العسكري الأمريكي والصهيوني الثاني على إيران بأيام قليلة،
لكن العدوان على إيران الذي إستمر زهاء أربعون يوماً، لاقى فشلاً كبيرا في تحقيق أهدافه، وحقق الجيش الإيراني مفاجئات عسكرية وسياسية مباغتة للعدو الأمريكي والصهيوني، منها: ورقة مضيق هرمز، وتدمير القواعد العسكرية والمراكز التجسسية الأمريكية والصهيونية في منطقة الخليج، وتدمير القواعد والمنشاءات الإقتصادية الصهيونية في فلسطين المحتلة، هنا أدركت الإدارة الأمريكية خطأ حساباتها وفشل مخططاتها، فعادت مرة أخرى إلى الديبلوماسية مع إيران، لكن هذه المرة تختلف الديبلوماسية التفاوضية الأمريكية مع إيران عن المحاولتين والتجربتين السابقتين من المفاوضات، تختلف إختلافاً كلياً عن سابقاتيهما، أصبحت القيادة الإيرانية هي من تمسك بأوراق القوة، وتدير عملية المفاوضات وتملي الشروط، وتمتلك المناورة واللعب بعامل الوقت، دخل الجانب الأمريكي في المفاوضات غير المباشرة مع إيران، وجعبته خالية من الأوراق السياسية والعسكرية الضاغطة أمام إيران، دخل محمل بفشل تحقيق أهداف العدوان، وفقد ورقة مضيق هرمز، وعودة قوة حزب الله، وفشل مشروع قيام دولة إنفصالية في جنوب اليمن، وفشل خلق حرب عربية إيرانية، دخلت القيادة الإيرانية في المفاوضات مع الجانب الأمريكي، وهي تدرك وتعلم جيداً أن حلفاء أمريكا من الأوروبيين تخلوا عنها، دخلت وهي تعروف فشل الرئيس الأمريكي ترامب، من محاولات التأثير على الموقف السياسي الصيني الداعم لإيران، دخلت إيران في المفاوضات مع الأمريكي، وهي تدرك جيداً إستحالة تمرير أية قرارات دولية ضد إيران من مجلس الأمن الدولي، بسبب الفيتو الروسي والصيني الحاضر بقوة في وجه امريكا، كل ذلك المخاض العسير والمواجهة العسكرية والديبلوماسية الإيرانية الساخنة، في وجه الأمريكي والصهيوني، ينبىء بولادة مرحلة سياسية إقليمية ودولية جديدة، ترسم معالمها القيادة الإيرانية في وجه العنجهية والغطرسة والغرور الأمريكي، ولادة المرحلة الجديدة على وشك، لكن القراءة الأولية لملامح المولود الجديد تكشف مدى التغيرات الجوهرية والعميقة التي سوف تشهدها منطقة غرب آسيا والعالم في المرحلة القادمة التي من مظاهرها:
1– فشل تحقيق مشاريع التطبيع ومشروع إبراهام الأمريكي الصهيوني في المنطقة.
2–فشل مشروع الشرق الأوسط الأمريكي الجديد وفشل مشروع قيام دولة إسرائيل الكبرى في المنطقة.
3–بروز جمهورية إيران الإسلامية كقوة إقليمية ودولية كبرى
3– عودة وبروز القضية الفلسطينية في الواجهة.
4– فشل الجدوى والأهمية من إستمرار وجود القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة الخليجية.
5– إمساك القيادة الإيرانية بمضيق هرمز وفرض السيادة السياسية والامنية عليه بالشراكة والتنسيق مع الجانب العماني.
وغيرها من المتغيرات التي سوف تطرأ على المنطقة. العدو الصهيوني هو الخاسر الأكبر من متغيرات الأحداث السياسية والعسكرية الجارية في المنطقة.