خرائط الظلم في زمن التكديسات

حسين شكران الاكوش العقيلي

في أحيائنا الشعبية، لا يقتصر الظلم على المؤسسات أو السياسات، بل يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، فيغدو جزءًا من المشهد العام، يختبئ في الأماكن التي يُفترض أن تكون ملاذًا للراحة أو ساحات للتفاعل الإنساني. في الحدائق العامة، يتكاثر الصراخ، وتغيب النظافة، ويتحول المارّون إلى مراقبين متطفلين على وجوه الناس وأحاديثهم. الأطفال يُتركون ليعبثوا بالحشائش والزهور، يتسلقون الأشجار ويكسرون أغصانها، أو يرمون كراتهم على موائد الطعام، وكأن من جاء لينسى همومه، وجد نفسه في قلب همٍّ جديد.

وفي الشوارع، حيث يُرسل الأطفال لتفريغ طاقاتهم، يتحول الحي إلى ساحة فوضى، يظلم فيها الكبير الصغير، والقوي الضعيف، وتُقصى الفئات غير المنتمية إلى جماعات. الأطفال يكتسبون عاداتٍ سلبية، ويزعجون سكان الحي بألعابهم وصخبهم، فتُصاب السيارات والمارة، وتُلطّخ الثياب، ويُفسد الطعام، بينما الأمهات يكتفين براحة مؤقتة داخل البيوت.

أما في التعاملات اليومية، فإن كثيرًا من الناس يزعجون غيرهم في أبسط صور التواصل، في الطرقات، وفي الدوائر الحكومية، وفي البيع والشراء، وفي الاستدانة ورد الدين. تُعرقل الأعمال من أجل الرشاوى، ويُمارس الغش، ويُماطل في رد الحقوق، فتتراكم هذه الممارسات في النفوس، وتُغتال الأخلاق في وضح النهار.

الظلم داخل الأسرة هو الأشد إيلامًا، حين يظلم الأب أبناءه، أو تظلم الزوجة زوجها، أو يأكل الأخ الأكبر حقوق إخوته، أو يتعدى العم والخال على أبناء إخوتهم. القرب يتحول إلى خنجر، والدم لا يشفع حين تغيب العدالة.

وحين يظلم الإنسان نفسه، باتخاذ قرارات يعلم أنها ستدمره، كأن ينضم إلى عصابات إجرامية أو يتعاطى المخدرات والمسكرات ، فإنه يغتال كرامته بيده، ويختار طريقًا لا عودة منه. إنه انتحارٌ بطيء، واغتيالٌ للمعنى.

الاعتداء الجسدي والمعنوي، الخداع المادي والفكري، الاستغلال غير العادل للجهد، كلها صور من الظلم. حين يُستخدم المنصب أو القوة لإجبار الآخرين على تنفيذ رغبات لا يريدونها، يتحول الإنسان إلى أداة قهر، ويُسحق الطرف الأضعف تحت وطأة الإجبار، ويُسلب منه حقه في الاختيار.

الظلم في هذا العصر لا يأتي دفعة واحدة، بل يتراكم، يتسلل، ويتجذر في العادات والسلوكيات، حتى يغدو جزءًا من النسيج الاجتماعي، ويصعب اقتلاعه دون وعيٍ جماعي وإرادة صادقة للتغيير.