حسين شكران الأكوش العقيلي
في قلب كل مجتمع حيّ، ينبض حلم السلم كقيمة تتجاوز مجرد غياب النزاع، لتغدو منظومة متكاملة من التعايش، والاحترام، والتكافل. هذا الحلم لم يكن يومًا ترفًا فكريًا أو شعارًا سياسيًا، بل هو جوهر البناء الحضاري الذي تتلاقى عنده الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، كلٌ بطريقته، وكلٌ بحكمته.
الفقه الإسلامي، الذي نشأ في رحم الرسالة المحمدية، لم يتعامل مع السلم المجتمعي كحالة طارئة أو ظرفية، بل اعتبره من مقاصد الشريعة العليا، التي تحفظ النفس والعقل والدين والمال والعرض. فالسلم في هذا السياق ليس مجرد هدنة، بل هو نمط حياة، تُبنى فيه العلاقات على قاعدة “الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق”. هذه القاعدة الذهبية لم تكن مجرد مقولة، بل تحولت إلى منهج فقهي يُلزم الحاكم والمحكوم، ويؤسس لثقافة التسامح والعدل، ويمنع الاستعلاء والتمييز.
أما القانون العراقي، الذي تشكّل في ظل تعاقب الأنظمة وتنوع المرجعيات، فقد سعى إلى ترسيخ السلم المجتمعي من خلال نصوص تشريعية تُجرّم التحريض على الكراهية، وتُعاقب على إثارة الفتن، وتُشجع على المصالحة الوطنية. ورغم التحديات السياسية والاجتماعية التي واجهها العراق، فإن الإرادة القانونية بقيت حاضرة في محاولة ضبط التوازن بين الحقوق الفردية والمصلحة العامة، وبين حرية التعبير وواجب احترام الآخر.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود النصوص، بل في تفعيلها بروح منسجمة مع الواقع، وبعقلية تؤمن أن السلم لا يُفرض بالقوة، بل يُزرع بالثقة. وهنا تتقاطع الرؤية الفقهية مع الرؤية القانونية في نقطة جوهرية: أن السلم المجتمعي لا يتحقق إلا إذا شعر المواطن أن كرامته مصانة، وأن صوته مسموع، وأن العدالة ليست امتيازًا بل حقًا.
في هذا السياق، تبرز أهمية إعادة قراءة التراث الفقهي بعيدًا عن الجمود، واستلهام روحه الإصلاحية التي دعت إلى رفع الظلم، ونبذ التعصب، وتغليب المصلحة العامة. كما تبرز الحاجة إلى تطوير الخطاب القانوني ليكون أكثر قربًا من الناس، وأكثر قدرة على معالجة التوترات المجتمعية قبل أن تتحول إلى أزمات.
إن السلم المجتمعي ليس مشروعًا حكوميًا فحسب، بل هو مسؤولية جماعية تبدأ من الأسرة، وتُصاغ في المدرسة، وتُحمى في الإعلام، وتُترجم في التشريع. وهو قبل ذلك وبعده، موقف أخلاقي يختبر صدق الانتماء، ونزاهة القيادة، ووعي الجماهير.
وإذا كان الفقه الإسلامي قد قدّم نماذج راقية في إدارة التنوع، فإن القانون العراقي مطالب اليوم بأن يستلهم تلك النماذج، لا ليُقلدها، بل ليُعيد إنتاجها بما يناسب العصر، ويخدم الإنسان، ويُحصّن المجتمع من الانقسام.
السلم المجتمعي ليس غاية بعيدة، بل هو خيار يومي، يُصنع بالكلمة الطيبة، وبالقرار العادل، وبالنية الصادقة. وهو في النهاية، مرآة لضمير الأمة، ومؤشر على نضجها، وقدرتها على تحويل الاختلاف إلى طاقة بناء، لا إلى وقود صراع.