عبد الكريم حنون السعيد
في كل دورة انتخابية، يتصاعد الجدل ذاته:
لماذا ينتخب الناس الفاسدين؟
ولماذا لا يختارون الأكفاء من أصحاب الشهادات العليا والمناصب الرفيعة؟
وتبدأ الاتهامات تنهال على البسطاء، بأنهم جهلة، متساهلون، لا يفرّقون بين الصالح والطالح.
لكنّ الحقيقة يا صديقي، أبسط من كل هذه التعقيدات.
الناس لا تريد فيلسوفًا يُلقي عليهم نظرياتٍ في السياسة،
ولا مثقفًا يحدّثهم عن الفساد والإصلاح بلغةٍ متعالية،
بل تريد إنسانًا يشعر بها،
من يبتسم في وجوههم،
من يردّ على مكالماتهم،
من يقف معهم في حاجاتهم دون مِنّةٍ أو كِبر.
الناس لا تكره المتعلم ولا صاحب المنصب، لكنها تكره من يشمخ بأنفه لأنه يحمل شهادةً عليا، أو يملك ثروةً أو وظيفةً مرموقة.
تكره من ينظر إليها بدونية، ومن يتحدث إليها وكأنها لا تفهم.
لسان حالهم يقول:
“تريدني أن أكون مطيّةً لك لتتسلّق على ظهري، وتزداد فخرًا ومجدًا، بينما تراني ضعيفًا مسكينًا أنظر إليك بإعجاب؟”
إنّ الديمقراطية وصندوق الاقتراع ليسا مجرد وسيلة لاختيار الحاكم،
بل باب فرجٍ للناس ووسيلة عقابٍ لمن يتكبّر عليهم.
في تلك اللحظة، يستردّ المواطن العادي شيئًا من كرامته المسلوبة،
ويقول لمن احتقره يومًا: الآن دوري لأختار… لا لأُختار من قِبلك.
الناس يا صديقي لا تبحث عن المنظّرين في الفلسفة والأدب وعلم الاجتماع ونظريات الاقتصاد وإدارة المال،
بل عن الإنسان القريب منهم،
من يشاركهم مناسباتهم،
يجلس بينهم بقلبٍ متواضع،
يجعل قامته حين يجلس بمستوى قاماتهم تمامًا،
ويؤمن أن السلطة مهما علت لا تساوي شيئًا إذا فقدت دفء الناس واحترامهم.
فالناس لا تريد من يتصنّع التواضع أمامها،
بل من كان التواضع سجيّةً فيه لا تكلّفًا،
من يرى في خدمة الناس شرفًا،
وفي احترامهم واجبًا،
وفي القرب منهم إنسانيته الحقيقية.