بقلم: الأستاذ حسين شكران الأكوش العقيلي
في سجلّ التاريخ تُولد بعض الشخصيات من نور، لا لأنّها عاشت في زمنٍ مختلف، بل لأنّها عاشت بمنطق مختلف، يحمل من الإيمان ما يتجاوز حدود الذات، ومن الوعي ما يجعل الوقوف في وجه الباطل فريضة لا ترفاً. ومن بين تلك الشخصيات التي خلدتها الذاكرة الإسلامية، تبقى السيدة أمّ البنين عليها السلام مثالاً متفرّداً للمرأة التي عرّفت الأمومة بمعناها الأصيل؛ أمّ تُقدّم أبناءها قرباناً للمبدأ، لا مجرّد امتدادٍ لاسم أو نسب.
وُلِدت أمّ البنين في بيتٍ عربي شريف عُرف بالشجاعة والوفاء، فشبّت على مكارم الأخلاق، لا ترفع صوتها فوق صوت الحكمة، ولا تجعل مشاعرها تتقدّم على قيم الحق. وعندما دخلت بيت الإمام علي عليه السلام، أدركت أنّها أمام مسؤولية ليست اعتيادية، فاختارت أن تكون خادمة للمبدأ قبل أن تكون زوجة لرجل من أشرف الرجال. كان وعيها الديني والسياسي سابقاً لعصرها؛ تفهم أنّ البيت الذي دخلته يحمل رسالة، وأنّ أبناءه هم امتداد النبوّة، فكانت ترى نفسها جزءاً من هذا الامتداد، لا زائدًا عليه.
وحين رزقها الله العباس عليه السلام وإخوته، لم تربيهم على حبّ الدنيا أو طلب الجاه، بل على فكرة واضحة؛ أنّ انتماءهم الأول هو للحسين عليه السلام، وأن وظيفتهم الأخلاقية أن يكونوا سيوفاً بيده، لا مجرّد أبناء لأبيهم.
ولهذا كبر العباس عليه السلام وهو يرى طاعة الحسين عقيدة، لا موقفاً عاطفياً. وما كان لهذا الوعي أن يتجذّر في نفسه لولا تلك الأم التي صنعت من الحنان درعاً، ومن الحكمة مدرسة، ومن الإيمان طريقاً لا يضلّ من سار فيه.
وعندما جاءت أيام المحنة واقتربت واقعة الطف، لم تكن أمّ البنين امرأةً تقف عند حدود خوف الأم، بل كانت أكبر من ألمها، وأرفع من تردّد اللحظة. كانت تعلم أنّ أبناءها الأربعة ذاهبون إلى الموت، ومع ذلك دفعتهم إلى ذلك الطريق، لا لأنّها استرخصت حياتهم، بل لأنّها آمنت أنّ الحياة بلا موقف ليست حياة، وأنّ الدم حين يكون دفاعاً عن الحق يكتسب معنى الخلود.
يوم عاشوراء، حين سقط العباس شهيداً وارتفعت معه راية الوفاء، لم تسأل أمّ البنين عن أبنائها، بل كان سؤالها الأول: “ما حال الحسين؟” وهذا السؤال يلخّص المرأة كلّها؛ امرأة تجاوزت حدود الرحم إلى حدود الرسالة، وفهمت أنّ دماء أبنائها لا قيمة لها إن لم تُصب في مجرى الدفاع عن الإمام الذي تمثّل الحق الإلهي في وقته. لم يكن ذلك انقطاعاً عن مشاعر الأم، بل ارتقاءً بها نحو أفق أعلى يجعل الحزن جزءاً من الطاعة، والرضا جزءاً من الولاء.
بعد الفاجعة، لم تنكفئ أمّ البنين على ذاتها، بل تحوّلت إلى صوت يعيش بين الناس، تُذكّرهم بمظلومية الحسين وأهل بيته، وتبكي لا لتُطفئ نار الحزن في قلبها، بل لتُبقي جذوة الوعي متقدة في قلوب الآخرين. كانت دموعها رسالة، ومراثيها مدرسة، وحضورها الاجتماعي إحياءً لذكر الحسين في زمنٍ حاول فيه الظلم أن يمحو آثار الجريمة.
لقد شكّلت السيدة أمّ البنين نموذجاً إسلامياً نادراً، استطاع أن يجمع بين ثنائية العاطفة والرسالة دون أن تتغلب إحداهما على الأخرى. فهي الأمّ التي تشعر بألم فقدان أبنائها، لكنها في الوقت ذاته المؤمنة التي تدرك أنّ الفقد يصبح شرفاً حين يكون في سبيل الله. وهي المرأة التي لا تُعرف فقط بما أنجبت، بل بما ربّت ووعت وفهمت ووقفت.
إنّ قراءة سيرة أمّ البنين ليست قراءة تاريخية فحسب، بل هي درسٌ أخلاقي وفكري في كيفية صناعة الإنسان الرسالي، وكيف يمكن للمرأة أن تؤدي دوراً محورياً في تشكيل وعي الأجيال، لا بالخطاب وحده، بل بالفعل والموقف والقدوة. لقد أعطت أبناءها للإسلام، لكنها قبل ذلك أعطته قيمتها، وعقلها، وإيمانها، وصبرها، وحكمتها.
ومن يتأمل حياتها يجد أنّها لم تكن امرأة عابرة في تاريخ الطف، بل كانت جزءاً من بنيته الروحية، ومكمّلة لرسالة الحسين عليه السلام من موقعها الذي لم يبرز على ساحة المعركة، لكنه ظهر في خلفية صناعة الأبطال الذين خاضوها. وهكذا كانت أمّ البنين امرأة صنعت رجالاً، وجعلتهم يقدّمون أعظم درس في الوفاء، ثم حملت هي وحدها عبءَ ما بقي من المأساة إلى أن التحقت بربّها.
إنّ المرأة التي وهبت أبناءها للإسلام لم تفعل ذلك لأنّها بلا خوف، بل لأنها أكبر من الخوف. ولم تبكِ العباس وإخوته لأنها ضعيفة، بل لأنها كانت تعرف مقدار ما قدّموه. وبذلك تركت لنا أنموذجاً خالداً للمرأة التي تجمع بين الرقة والقوة، وبين الإيمان والعاطفة، وبين الأمومة والرسالة.
وهكذا تبقى أمّ البنين عليها السلام اسماً لا يذبل، وصورةً لا تغيب، وقيماً تذكّر كل زمان بأنّ البطولة ليست حكراً على الرجال في ميادين القتال، بل قد تبدأ من قلب امرأة أدركت أنّ صناعة الأبطال أعظم من القتال نفسه، وأنّ التربية هي الخطوة الأولى نحو الشهادة.