كمال فتاح حيدر
لقد وضعت الحرب الوشيكة عواصم الشرق الأوسط على المحك، وأرغمتها على استنفار طاقاتها الوطنية لمواجهة الأزمات الغذائية والعلاجية التي قد تنجم عن تعطل الموانئ، وتعثر سلاسل التوريد، وصعوبة التواصل مع خطوط الشحن البحري، فعقدوا الاجتماعات المكثفة لمواجهة الاختناقات المتوقعة، واستدعوا الوزراء والوكلاء والمدراء والخبراء لرسم خطط الطوارئ. وذلك تحسبا لتفاقم أزمات الجوع وسوء التغذية في اوطانهم. .
فما ان تنطلق الشرارة الاولى في حوض الخليج حتى تتحول الموانئ إلى منصات خاوية فارغة مصابة بالشلل التام. حيث لا صادرات ولا واردات، ولا شحن ولا نقل ولا تخزين ولا دعم لوجستي. الأمر الذي اضطرهم لتبني حزمة من التسهيلات الجمركية والضريبية لضمان تدفق البضائع عبر منافذهم البديلة. فاصبحت للكويت خطتها، وللإمارات خطتها، وللسعودية خطتها، ولإيران خطتها. ولكل دولة قريبة من حلبة الصراع خطتها. باستثناء العراق، الذي اختلف عن بقية بلدان المنطقة. وكأن خارج مرمى النيران، على الرغم من علمنا ان موانئ ام قصر وخور الزبير سوف تتحول إلى ساحات فارغة تنعق فيها الغربان، شأنها شأن الموانئ الإيرانية التي سوف تعيش عزلة قاتلة باستثناء موانئها على بحر قزوين، وباستثناء منافذها مع باكستان وافغانستان وغيرها. .
لم يناقش العراقيون خطة الطوارئ، ولم ياخذوا حذرهم من تدهور الأوضاع المعيشية نحو الأسواء، ولم يفكروا بخطة بديلة. بل على العكس تماما، فقد توجهت المؤسسات المعنية في هذا التوقيت بالذات نحو تبني تعرفة جمركية تعسفية ومضاعفة ومرهقة، وتبنوا فكرة التشدد في السيطرات الداخلية، وفي المنافذ الحدودية. ما أدى إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية قبل اندلاع الحرب الوشيكة. فما بالك لو احتدم الصراع بين أمريكا وايران واغلقوا مضيق هرمز ؟. .
وهكذا أغلق آلاف التجار في بغداد محالهم، وخرجوا بمظاهرات؛ احتجاجاً على تطبيق التعريفة الجمركية الجديدة على البضائع، وضد قرار اعتماد نظام (سيكودا) المتعلق بأتمتة الإجراءات الجمركية، وشهدت الأسواق الرئيسية في بغداد (الشورجة، وجميلة، وشارع الربيعي) إغلاقاً شبه كامل واضراباً عن العمل احتجاجاً على القرارات الجديدة التي تتقاطع
تماما مع قرارات البلدان المجاورة في هذا التوقيت بالذات. .