الإمام علي عليه السلام بين زهد السلطة وثراء القيم (( درس للسياسين في زمن المصالح))

بقلم: الأستاذ حسين شكران الأكوش العقيلي – كاتب ومؤلف

حين نتأمل في سيرة الإمام علي عليه السلام بعد فتح مكة، نجد #أنفسنا أمام نموذج فريد في التاريخ الإسلامي يرفض أن يُقاس بمنطق الغنيمة أو الاستحواذ على الأملاك. فقد كان بإمكانه، وهو صهر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وأحد أعمدة الجهاد، أن يستولي على أملاك أبي جهل أو بيت أبي سفيان، وأن يفتح الأسواق ويجمع الأموال، وأن يسجل باسمه أفضل الأراضي والقطع التجارية، بل وأن يطالب بامتيازات مادية لقاء ما قدمه من تضحيات جسيمة. غير أن علياً عليه السلام اختار طريقاً آخر، طريقاً يعلو على المصالح الدنيوية ويؤسس لمدرسة أخلاقية تتجاوز حدود الزمان والمكان.
لم يكن الإمام علي بحاجة إلى قصور أو أراضٍ ليُثبت مكانته، فقد كان يعيش بين الناس البسطاء بلا حمايات ولا امتيازات، يشاركهم همومهم ويغني نفسه بحب الله وطاعته. لقد جسّد معنى الزهد الحقيقي، لا باعتباره حرماناً أو ضعفاً، بل باعتباره قوة روحية تجعل الإنسان أكبر من المال وأسمى من السلطة. كان بإمكانه أن يفتح مكتباً للوساطة أو أن يستثمر موقعه في العفو عن المشركين مقابل الأموال، لكنه رفض أن يحوّل الدين إلى تجارة أو أن يجعل من الجهاد سلعة في سوق المصالح.
هذا الموقف يضعنا أمام درس بليغ في السياسة والاجتماع: أن القيادة ليست امتيازاً شخصياً، بل مسؤولية أخلاقية. الإمام علي عليه السلام لم يطلب بدل خطورة رغم أنه نام في فراش النبي ليلة الهجرة معرضاً نفسه للموت، ولم يطالب بمكافآت رغم أنه كان مهدداً في كل لحظة. اختار أن يكون “مدينة العلم” لا مدينة الثروة، وأن يترك إرثاً من القيم لا من العقارات.
إن ما يثير التأمل أن كثيراً من السياسيين اليوم يتحدثون باسم الإمام علي عليه السلام، لكنهم لا يطبقون شيئاً من نهجه. يتخذونه شعاراً في الخطاب، بينما يمارسون عكس ما دعا إليه في السلوك. الإمام علي لم يكن زعيماً يبحث عن الامتيازات، بل كان قائداً يذوب في خدمة الناس ويجعل من العدالة معياراً لا يُساوم عليه.
الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى كل من يتزعم القوم أو يتحدث باسم الإمام علي هي أن الاتباع الحقيقي لا يكون بالشعارات، بل بالاقتداء العملي. فمن أراد أن يحمل اسمه، عليه أن يحمل قيمه: التواضع، العدل، الإيثار، والصدق مع الله ومع الناس. أما من يرفع اسمه ليغطي على مصالحه، فليتذكر أن التاريخ لا يرحم، وأن الحساب يوم القيامة سيكون على العمل لا على الادعاء.
الإمام علي عليه السلام علّمنا أن الفقر ليس عيباً إذا كان مقروناً بالكرامة، وأن الغنى الحقيقي هو غنى النفس، وأن السلطة بلا قيم تتحول إلى عبء على الأمة. لذلك فإن كل من يقرأ سيرته بصدق يدرك أن السياسة بلا أخلاق لا يمكن أن تبني مجتمعاً، وأن الزهد في السلطة هو أعظم رسالة إصلاحية يمكن أن يقدمها قائد لشعبه.