بقلم: الأستاذ حسين شكران الأكوش العقيلي
في أروقة وزارة الداخلية، حيث تتقاطع السلطة بالقانون، يقف أصحاب الشهادات العليا بين جدار الحقوق المقرّة في النصوص وبين واقع الحرمان الذي يفرضه التعقيد الإداري والبيروقراطي. إنهم كفاءات صاغت سنوات عمرها في البحث والدراسة، لتجد نفسها أمام معادلة صعبة: الاعتراف الرسمي بالعلم من جهة، والتهميش الصامت من جهة أخرى. هذه المفارقة ليست مجرد قضية وظيفية، بل هي صرخة اجتماعية تكشف عن خلل في منظومة العدالة الإدارية، وتطرح سؤالاً جوهرياً حول جدلية الحق والحرمان في مؤسسات الدولة.
حين نتأمل واقع أصحاب الشهادات العليا في وزارة الداخلية، نجد أنفسنا أمام لوحة مزدوجة الأبعاد: الأولى قانونية تستند إلى النصوص التي تؤكد حق الموظف في التدرج الوظيفي والتمتع بالامتيازات التي تتناسب مع مؤهلاته العلمية، والثانية واقعية تعكس حالة من الإقصاء أو التجميد الذي يطال هذه الكفاءات، وكأن العلم الذي حملوه لم يجد طريقه إلى الاعتراف العملي. هذه الجدلية بين الحق المعلن والحرمان الممارس تكشف عن فجوة عميقة بين النصوص والواقع، بين ما يُكتب في اللوائح وما يُطبق في الميدان.
إن معاناة أصحاب الشهادات العليا ليست مجرد شكوى فردية، بل هي قضية جماعية تمس جوهر العدالة الاجتماعية في مؤسسات الدولة. فحين يُحرم الموظف من حقوقه رغم امتلاكه مؤهلات علمية رفيعة، فإن ذلك ينعكس سلباً على روح الانتماء والإنتاجية، ويزرع شعوراً بالخذلان لدى من أفنى سنوات عمره في طلب العلم. هذا الحرمان لا يقتصر على الامتيازات المادية أو التدرج الوظيفي، بل يمتد ليشمل الاعتراف المعنوي بقيمة العلم ذاته، وهو ما يجعل الكفاءات تعيش حالة من الاغتراب داخل مؤسساتها.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تخلق فجوة بين الدولة ومواطنيها، إذ يشعر أصحاب الشهادات العليا أن مؤسساتهم لا تنصفهم ولا تقدر جهودهم، فيتحول العلم من وسيلة للارتقاء إلى عبء يثقل كاهلهم. هنا تتجلى المفارقة الكبرى: الدولة التي تحتاج إلى العقول والكفاءات لتطوير مؤسساتها، هي نفسها التي تضع العراقيل أمام هذه العقول، فتخسر بذلك فرصة حقيقية للإصلاح والتحديث.
إن جدلية الحق والحرمان في وزارة الداخلية ليست مجرد قضية إدارية، بل هي انعكاس لثقافة مؤسسية تحتاج إلى مراجعة جذرية. فالمؤسسات التي لا تفتح أبوابها أمام الكفاءات العلمية، ولا تمنحهم ما يستحقون من حقوق، إنما تساهم في إضعاف بنيتها الداخلية وتفقد ثقة موظفيها. العدالة الإدارية ليست شعاراً يُرفع، بل ممارسة يومية تُترجم في القرارات والإجراءات، وهي وحدها الكفيلة بتحويل العلم إلى قوة فاعلة في خدمة الدولة والمجتمع.
إن صرخة الكفاءات اليوم هي دعوة صادقة لإعادة النظر في السياسات الإدارية، ولإيجاد آليات تضمن التوازن بين النصوص القانونية والواقع العملي. فالموظف الذي يحمل شهادة عليا لا يطلب امتيازاً شخصياً بقدر ما يطالب باعتراف حقيقي بجهده وعلمه، وهو اعتراف ينعكس في النهاية على قوة المؤسسة وفاعليتها. إن إنصاف هذه الكفاءات ليس ترفاً إدارياً، بل ضرورة وطنية تضمن استقرار المؤسسات وتعزز ثقة المواطن بالدولة.
وفي النهاية، تبقى جدلية الحق والحرمان مرآة تعكس واقعاً يحتاج إلى إصلاح عاجل، وإرادة صادقة تعيد للعلم مكانته وللكفاءات اعتبارها. فالدولة التي تنصف علمائها وموظفيها هي الدولة التي تضمن لنفسها طريقاً نحو التقدم، أما تلك التي تهمشهم فإنها تفتح أبوابها للجمود والتراجع.