المنصب ليس كرسياً

المنصب ليس كرسياً

كتب رياض الفرطوسي

المنصب ليس خشباً يُلمَّع، ولا مقعداً يُحجَز، ولا صورة تُعلَّق على الجدار.
المنصب امتحانٌ ثقيل، يشبه الميزان: إمّا أن يرفع صاحبه، أو يفضحه على الملأ.

إن اختيار القيادات في المواقع الحساسة ليس قراراً إدارياً عادياً، بل لحظة سياسية وأخلاقية تحدد مسار الوطن كله. فالبلاد لا تتعثر فجأة، بل تتعثر عندما نُحسن توزيع الكراسي ونُسيء اختيار الجالسين عليها.

المسؤول الحقيقي لا يأتي مزهوّاً بصوته، ولا مسلحاً بالشعارات، بل مسنوداً بوعيٍ منظم، وعقلٍ منفتح، وقدرةٍ صلبة على الإدارة والتنظيم. لأن المنصب إن لم يستفد من صاحبه، تحوّل إلى عبء، وإن لم يخدم المكان، شوّه صورته.

الدولة التي تحترم نفسها تجعل الخبرة معياراً، والكفاءة بوابة، والنزاهة شرط الدخول. أما حين تندفع بعض القوى إلى قذف قواعدها في قلب المواقع الحساسة بدافع الولاء وحده، فإنها لا تمارس سياسة، بل تمارس مقامرة بمصير الوطن.

لسنا بحاجة إلى مسؤولين بارعين في الخطابة فقط. فالحقيقة لا تسكن في فصاحة الجُمل، بل في صدق الأفعال. ليست قوة الخطاب ما يصنع الدول، بل خطاب القوة القائم على العدل، والانضباط، وتحمل النتائج.

القيادة قبل أن تكون منصباً هي حالة إنسانية:
إنسان مكتمل الصحة النفسية،
قادر على الاختيار لا على المناورة فقط،
ثابت وجدانياً لا متقلباً مع الريح،
يفهم أن المسؤولية ليست استعراضاً ، ولا غطرسة، ولا تمركزاً حول الذات، بل خدمة صامتة شاقة.

حتى البرلمان، وهو سلطة التشريع، لا يُعفى من هذا الميزان. فالنائب ليس مجرد رقم يرفع يده، بل عقل يكتب مصير الناس في سطور القوانين. ومن هنا تصبح الدورات في التثقيف السياسي ضرورة وطنية، لا ترفاً بروتوكولياً.

نحن لا نحتاج إلى مزيد من الوجوه المتصدرة، بل إلى عقول متزنة، وضمائر يقظة، وأيادٍ تعرف أن السلطة ليست غنيمة، بل أمانة.

فالمنصب…
ليس كرسياً.
إنه مسؤولية بحجم وطن.