د. فاضل حسن شريف
جاء في شبكة المعارف الاسلامية الثقافية عن حريّة الفكر: سبب ظهور حريّة العقيدة في أوروبا: نعرض فيما يلي لأهمّ الأسباب الّتي أدّت إلى نشأة ظاهرة احترام حريّة الدِّين والعقيدة في أوروبا، وإن كان هذا الدِّين وهذه العقيدة فاسدة: 1- ردّة فعل لممارسات الكنيسة التعسفيّة في القرون الوسطى. ونلخّص الممارسات بما يلي: أ- مراقبة أفكار الناس للكشف عن عقائدهم المخالفة لفكرة الكنيسة، سواء في المجال العلميّ أو الفلسفيّ، واعتبار ذلك جرماً عظيماً، ثمّ القيام بمحاكمة من يطرحها ومعاقبته. ب- إحراق مجموعة من النساء وهنّ على قيد الحياة لاتهامهنّ بجرم بسيط جدّاً. ج- سلب العلماء الحقّ في إبداء وجهة نظرهم في مطلق المسائل، حتّى تلك الّتي لا تتّصل بأصول الدِّين إن كانت الكنيسة قد أبدت بشأنها وجهة نظر علميّة. إنّنا بقراءة تاريخ أوروبا في القرون الوسطى سيتّضح لنا بشاعة الجرائم الّتي كانت تُرتكب، والّتي لا تصل إليها جرائم بني أميّة والعبّاسيّين، الأمر الّذي أدّى إلى ظهور ردود فعل تدعو إلى حريّة الناس في العقيدة حتّى لو أرادوا عبادة البقر. 2- نتيجة لبعض الآراء الفلسفيّة: يرى بعض الفلاسفة الأوروبيّين أنّ الدِّين مهما كان نوعه، وثنيّاً أو إلهيّاً، فهو يتعلّق بضمير كلّ شخص، فإنّ كلّ شخص بضميره ومكنوناته بحاجة إلى الاستئناس بالدِّين والتعزّي به، كما أنّ الإنسان بحاجة إلى الاستئناس بالفنّ والشِّعر، فإنّ هكذا قضايا ذات الصلة بالضمير الشخصيّ الفرديّ ليس فيها حُسْن وقُبح، ولا حقّ وباطل، ولا صدق وكذب، وإنّما ترتبط بحبّ الإنسان، فكلّ ما يحبّه الإنسان حسن. وعلى سبيل المثال مسألة تفضيل الألوان فإنّ الأذواق فيه مختلفة، ولذا لا يمكن السؤال عن أفضل الألوان بنظر كافّة الناس، بل يسأل عن اللون الّذي يفضلّه كلّ فرد، وهكذا الحال بالنسبة للأطعمة وغيرها، وهذه تسمّى مسائل ذوقيّة ومسائل خاصّة، حُسنُها وقُبحها يرتبط برغبة الإنسان. وعلى العموم فإنّهم يعتقدون بأنّ الدِّين لا حقيقة ولا أساس له، لكنّ الإنسان لا يقدر على العيش بدون دين يستأنس به، وعليه فمن حقّ كلّ شخص أن يختار الدِّين الّذي يهواه ويميل إليه. الردّ على هذه النظرة الفلسفيّة: أوّلاً: إنّ أصحاب هذه النظريّة يعتبرون أن لا أساس ولا حقيقة للدِّين، وبالتالي سمحوا باختيار الدِّين حسب ميل كلّ شخص وهواه، والحال أنّ الله قد بعث أنبياء بيّنوا للناس طريقاً حقيقيّاً نيّراً تكمن فيه سعادة البشر.
ثانياً: إنّ هؤلاء الفلاسفة الّذين يتبنّون هذه النظريّة أنفسهم لا يلتزمون دائماً بهذه الحريّة. ولتوضيح ذلك: نسأل ما رأيكم في حريّة الرأي ضمن قضيتي الصحّة والثقافة؟ هل يحقّ للناس اختيار الإصابة بالمرض؟ ولماذا تلزمون الناس بالتعلّم وتبنون المدارس للّذين لا يريدون العلم؟ ألا يعتبر ذلك سلباً لحقّ الحريّة الّذي تلتزمون به للإنسان؟ إنّ الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان قد نصّ على إلزاميّة التعليم في المرحلة الابتدائيّة، وبناء المدارس ومعالجة المرضى يُعتبر عندهم خدمةً لهؤلاء الغافلين وطريقاً لسعادتهم، ويجب تقديم هذه الخدمات ولو بالقوّة. ونحن من نفس الباب نعمِّم ونوسِّع ذلك للدِّين لكونه أمراً حقيقيّاً موجباً لسعادة البشر وباعثاً للعقل والفكر على التقدّم والنشاط. ج- الرشد عند الإنسان: إنّ الرشد عند الإنسان هو من القضايا لا تحتمل الإكراه بالطبع، ويجب أن يكون الإنسان فيها حرّاً، حيث لا يمكن أن يحصل عليه الإنسان إلّا إذا كان حرّاً في عمله واختياره، وهنا نأخذ نموذجين: الأوّل: وهو فرديّ شخصيّ، كتنمية شخصيّة الطفل، فإنّه إذا ما قام الأهل بتولّي كلّ شؤون الطفل انطلاقا من محبّتهم له، فقاموا بالتدخّل في كلّ صغيرة وكبيرة في حياة الطفل، من دون أن يفسحوا له المجال في تنمية شخصيّته والاعتماد على نفسه، فإنّه بالتالي من الصعب جدّاً أن يصبح شخصاً ذا شخصيّة قويّة، فكما أنّ توجيه الأولاد واجب في حدود معيّنة، كذلك إعطاؤهم الحريّة واجب في حدود معيّنة أخرى، وباقتران التوجيه مع الحريّة، ثمّ بمساعدة القابليّة نحصل على تربية كاملة. الثاني: وهو للمجتمع بشكل عام، فإنّ أفراد المجتمع كما يحتاجون إلى التوجيه من القيّمين على المجتمع، كذلك لا يمكن سلبهم الحريّة بذريعة أنّهم ليسوا أهلاً له، لأنّهم بممارستها يصبحون أهلا لها، مثلاً: في العمليّة الانتخابيّة لا يمكن لوجهاء المجتمع أن يفرضوا على الناس انتخاب الشخص الفلاني لأنّه الأصلح، بل لا بدّ لكي يصل الناس إلى النضج الاجتماعيّ من تركهم أحراراً للمقارنة بين سلبيّات وإيجابيّات كلّ مرشح، حتّى ولو التفتوا إلى خطأهم بعد الاقتراع لذلك الشخص، وقد تتكرّر الحال هذه إلى أن يكتمل نضجهم ورشدهم ولو أخطأوا مائة مرّة. د- الأخلاق الاجتماعيّة: هناك قضايا يمكن فيها إكراه الناس، ولكنّ الإكراه لا يعدّ كمالاً لهم، فمثلاً: على الناس أن يتحلّوا في الجوانب الأخلاقيّة بالصدق والأمانة، فلا يخون بعضهم بعضاً، وكذا عليهم أن يتحلّوا بالعدالة من ناحية المقرّرات الاجتماعيّة، فإذا ما ارتكبوا خيانة وسرقوا تقطع أيديهم لإلزامهم بهذه المقرّرات، ولكن توجد في هذا النوع من القضايا جنبة أخرى، وهي أن تكون الأمانة والصدق ملكة روحيّة نفسانيّة لدى الإنسان، بمعنى أن تكون لديه تقوى تصدر عنها الفضائل الأخلاقيّة، لا أنّه ينزجر عن الكذب والخيانة خوفاً من القانون أو العقوبة، وعليه يعدّ الصدق والأمانة فضيلة وكمالاً للإنسان، إذا ما أخذت طابع التربية.
جاء في الموسوعة الحرة عن الفكر الحر: الخصائص: لتعتبر الفكرة صحيحة بين المفكرين الأحرار، يجب أن تكون قابلة للاختبار والبرهنة ومنطقية. يميل العديد من المفكرين الأحرار إلى أن يكونوا إنسانيين، يبنون الأخلاق وفقًا لاحتياجات الإنسان، ويجدون معنى الحياة في التعاطف الإنساني (الشفقة) والتقدم الاجتماعي والفن والسعادة الشخصية والحب وتعزيز المعرفة. بشكل عام، يحب المفكرون الأحرار أن يفكروا بأنفسهم، ويميلون إلى الشك، ويحترمون التفكير النقدي والعقلانية، وهم منفتحون على المفاهيم الجديدة، ويفخرون أحيانًا بشخصيتهم الفردية. يقررون الحقيقة بأنفسهم، بناءً على المعرفة التي يكتسبونها، والإجابات التي يتلقونها، والخبرات التي لديهم، والتوازن الذي يكتسبونه إثر خبراتهم. يرفض المفكرون الأحرار الامتثال بهدف الامتثال، ويبنون معتقداتهم الخاصة من خلال النظر إلى الطريقة التي يعمل بها العالم من حولهم، ويمتلكون النزاهة الفكرية والشجاعة للتفكير خارج المعايير الاجتماعية المقبولة، والتي قد تدفعهم للإيمان بقوة أعلى، أو قد لا تفعل. رمزه: تعتبر زهرة الثالوث (بانسي) رمزًا راسخًا ودائمًا للفكر الحر، بدأ أدب الاتحاد العلماني الأمريكي استخدام هذا الرمز في أواخر القرن التاسع عشر. يكمن المنطق وراء الزهرة كرمز للفكر الحر في اسم الزهرة ومظهرها. يشتق اسم بانسي من الكلمة الفرنسيةpensée، والتي تعني (الفكر). يُزعم أنها سُميت بهذا الاسم لأن البعض ينظر إلى الزهرة على أنها تشبه الوجه البشري، وفي منتصف الصيف إلى أواخره، تميل إلى الأمام كأنها غارقة في التفكير. تحدي الجمود الفكري الديني: تاريخ الفكر الحر، هو كتيب يرجع تاريخه إلى ثمانينيات القرن التاسع عشر، وكان يحمل هذه العبارة تحت عنوان (شارة بانسي): (هناك حاجة إلى شارة تعبر من أول لمحة، دون تعقيد التفاصيل، عن هذا المبدأ الأساسي لحرية الفكر الذي يناضل من أجله الليبراليون من جميع المذاهب. يبدو أن هذه الحاجة قد لباها المفكرون الأحرار في فرنسا وبلجيكا وإسبانيا والسويد، الذين تبنوا الزهرة كشارة لهم. ننضم إليهم بالتوصية بهذه الزهرة باعتبارها شارة بسيطة وغير مكلفة للفكر الحر. دع كل وطني يكون مفكرًا حرًا بهذا المعنى، يتبنى الزهرة كشارة له، ليرتديها في جميع الأوقات، كشهادة صامتة وغير مزعجة عن مبادئه. بهذه الطريقة نتعرف على إخواننا في القضية، وستنتشر الحماسة، حتى قبل وقت طويل، فإن المستوى المرتفع لزهرة البانسي، تحت ثنايا علم الولايات المتحدة، سيثير قلوب الرجال في كل مكان كرمز للحرية الدينية وحرية الضمير).
حركة ما قبل الحداثة: ازدهر الفكر النقدي الحر في منطقة البحر المتوسط في العصر الهلنستي، وفي الحضارة الفارسية (على سبيل المثال في عهد عمر الخيام (1048-1131) عبر قصائده الشهيرة)، وفي حضارات أخرى مثل الحضارة الصينية، وصولًا لعصر النهضة والإصلاح المسيحي البروتستانتي. الحركات الحديثة: يعتبر عام 1600 نقطة تحول في عصر الفكر الحر الحديث، إذ كان العام الذي أعدم فيه جيوردانو برونو في إيطاليا على يد محاكم التفتيش. إنجلترا: ظهر مصطلح الفكر الحر في نهاية القرن السابع عشر في إنجلترا لوصف المفكرين الذين عارضوا الكنيسة الكاثوليكية، والإيمان الحرفي بالكتاب المقدس. تركزت معتقدات أصحاب الفكر الحر على مبدأ أن الناس يمكن لهم أن يفهموا العالم من خلال التأمل في الطبيعة والنظر في قوانينها. وُثقت هذه المواقف رسميًا لأول مرة في عام 1697 من قبل وليام مولينو في رسالة أرسلها إلى جون لوك، ونشرت على نطاق واسع في عام 1713. بعدها بعدة سنوات كتب أنتوني كولينز مقالة عن التفكير الحر، هاجم فيها رجال الدين من جميع الطوائف، وتعتبر هذه المقالة التي اكتسبت شعبية كبيرة أول نداء لفكر الربوبية. بدأ نشر مجلة المفكر الحر لأول مرة في بريطانيا عام 1881. فرنسا: ظهر مفهوم الفكر الحر لأول مرة في فرنسا عام 1765 عندما ضمَّن دينيس ديدرو وجان لوروند دامبيرت وفولتير مقالة عن الفكر الحر في الموسوعة الفرنسية التي كانوا يشرفون عليها. انتشرت مفاهيم التفكير الحر في أوروبا على نطاق واسع لدرجة أنه حتى البلدان النامية مثل أطراف النرويج الشمالية كان فيها علماء بارزون من أصحاب الفكر الحر بحلول القرن التاسع عشر. كان فرانسوا جان لوفبفر دي لا باري (1745-1766) شابًا من نبلاء فرنسا، اشتهر بعد قطع رأسه وحرق جثته مع نسخة من قاموس فولتير الفلسفي. يُقال ان لا باري قد أُعدم بسبب عدم أدائه للتحية لموكب ديني كاثوليكي، لكن يبدو أن ملابسات القضية كانت أكثر تعقيدًا. اعتبر لا باري بعد هذه الحادثة أحد المفكرين الأحرار الذين أعدموا بسبب التعصب الديني المسيحي، وكرم بعد موته.
جاء في موقع المعرفة عن الفكر الحر: وازدهر التفكير الديني الحر في جنوبي إيطاليا الذي كان يحكمه فردريك الثاني، حيث شب القديس تومس، وحيث أعلن الكردنال أبلديني صديق فردريك جهرة اعتناقه المذهب المادي. أما في إيطاليا الشمالية فان عمال الصناعة، ورجال التجارة والمال، والمحامين، وأساتذة الجامعات اندفعوا إلى حد ما في تيار المتشككين. واشتهرت جامعة بولونيا بعدم مبالاتها بالدين، فكانت المدارس الطبية فيها وفي غيرها من المدن مراكز للشك، وفيها نشأ القول المأثور (حيث يجتمع ثلاثة أطباء يكون اثنان منهم كافرين ubi tres medici duo athei )، وكادت آراء ابن رشد حوالي عام 1240 تصبح الطراز العصري بين الطبقات المتعلمة من غير رجال الدين في إيطاليا. وكان آلاف منهم يقبلون عقائد ابن رشد القائلة بان القانون الطبيعي يحكم العالم دون تدخل من قبل الله، وان العالم مخلد كله، وانه لا يوجد إلا نفس واحد خالدة هي (عقل) الكون (الفعال)، وان النفس الفردية ليست إلا مظهراً أو صورة عابرة زائلة من هذا العقل، وان الجنة والنار قصص اخترعت لتغرى العالم أو ترهبهم فيحسن سلوكهم. وأراد بعض المعتنقين لآراء ابن رشد ان يسترضوا محاكم التفتيش فتقدموا بعقيدة الحقيقة المزدوجة، فقالوا أن القضية قد تبدو صحيحة من ناحية الفلسفة أو حسب التعليل الطبيعي، ولكنها مع ذلك قد تكون خاطئة حسب الكتب المقدسة أو الدين المسيحي، واقروا في الوقت نفسه انهم يؤمنون بمقتضى الدين بما يشكون فيه حسب العقل والمنطق. وهذه النظرية تنكر الفرض الأساسي من فروض الفلسفة المدرسية – وهو إسكان التوفيق بين العقل والدين. وكانت جامعة پادوا في أواخر القرن الثالث عشر، وطول القرنين الرابع عشر والخامس عشر مركزاً مضطرباً لفلسفة ابن رشد. ونذكر من الشواهد الدالة على هذا الاضطراب أن بطرس من أبانو Peter of abano (حوالي 1250- 1316) أستاذ الطب في جامعة باريس ثم أستاذ الفلسفة في جامعة پادوا، ألف كتاباً يراد به التوفيق بين النظريات الطبية والفلسفية. وقد اكتسب مكانة ملحوظة في تاريخ العلوم الطبيعية لأنه قال في دروسه أن المخ هو مصدر الأعصاب وان القلب مصدر الأوعية الدموية. ولأنه قدر طول السنة تقديراً مدهشاً في وقته وهو 365 يوما، وست ساعات وأربع دقائق. وكان لثقته بالفلسفة يرجع العلل كلها تقريباً لقوة النجوم وحركتها، وكاد يبعد الله عن حكم العالم. واتهمه رجال محاكم التفتيش بالإلحاد، غير أن المركيز أزو الثامن دسته Azzo VIII d’Este والبابا هونوريوس الرابع كانا من بين مرضاه فبسطا حمايتهما عليه. ثم اتهم مرة أخرى في عام 1315، ونجا هذه المرة من المحاكمة بان مات ميتة طبيعية. وحكم قضاة التفتيش بان تحرق جثته في ميدان الحريق، ولكن أصدقاءه أخفوا رفاته إخفاء محكما اضطرت المحكمة أن تنفذ حكمها بحرق صورة له.
ووجد توماس أكويناس بعد انتقاله من إيطاليا إلى باريس أن فلسفة ابن رشد قد استحوذت من زمن بعيد على جزء كبير من الجامعة، ويؤيد هذا ما لاحظه وليام من أوڤرن William of Auvergne في عام 1240 من أن في الجامعة (كثيرين من الرجال يلتهمون هذه النتائج (من فلسفة ابن رشد) من غير تمحيص)، وان تومس نفسه وجد فلسفة ابن رشد منتشرة بين شباب الجامعة. ولعل ما نقله توماس عن هؤلاء قد روع البابا أسكندر الرابع (1256) فكلف ألبرتس مجنس أن يكتب رسالة في وحدة العقل ضد فلسفة ابن رشد. ولما جاء توماس ليدرس في باريس (1252- 1261، 1269- 1276) كانت حركة الفلسفة الرشدية قد بلغت ذروتها، وقد درس زعيمها في فرنسا سيگر من برابنت Siger of Barbant في هذه الجامعة من 1266 إلى 1276. وظلت فلسفة ابن رشد والكثلكة تتخذان من جامعة باريس ميداناً لاقتتالهما جيلا من الزمان. وكان سيگر (1235؟- 1281) وهو قس من غير رجال الدين الاديرة متجراً في العالم، وحتى الأجزاء القليلة الباقية من مؤلفاته تنقل عن الكندي، والفارابي، والغزالي، وابن سينا، وابن باجة، وابن جبروئيل، وابن ميمون. ويقول سيجر في سلسلة من الشروح والتعليقات على أرسطو، وفي مقالة جدلية ضد رجلي الفلسفة الذائعة الصيت، ألبرت وتوماس، يقول سيجر في هذه وتلك أن ألبرت وتوماس يفسران الفلسفة تفسيراً خاطئاً وان ابن رشد يفسرها تفسيراً صحيحاً. وهو يستخلص ما يستخلصه ابن رشد من أن العالم أزلي، وأن القانون الطبيعي لا يتبدل، وان نفس النوع وحدها هي التي تبقى بعد موت الفرد. ويقول سيجر أن الله هو العلة النهائية، لا العلة الفعلية، للأشياء- وهو هدف الخليقة لا علتها. وقد افتتن بالمنطق فقاده هذا الافتتان كما قاد ڤيكو Vico ونيتشه إلى الإيمان بعقيدة تسلسل الحادثات تسلسلاً لا نهائياً فقال: بما أن جميع الحادثات الأرضية تحددها في نهاية الأمر تجمعات النجوم، وبما أن عدد التجمعات الممكن حدوثها محدودة، فان كل تجمع لا بد أن يتكرر بصورته نفسها المرة بعد المرة في زمن لا نهائي، تكراراً تعقبه حتما نفس النتائج التي أعقبته من قبل، وبذلك تعود (نفس الأنواع، ونفس الاراء، والقوانين، والأديان). وقد حرص سيرجو على أن يضيف إلى هذا (ونحن نقول هذا أخذاً برأي الفيلسوف، دون أن نقطع بصحته). وكان يضيف مثل هذا الاحتياط إلى كل رأي من آراءه الملحدة. ولم يكن يجهر بعقيدة الحقيقتين، وكان يعلم تلاميذه أن بعض النتائج تستتبعها آراء أرسطو ويستتبعها العقل، فإذا كانت هذه النتائج تناقض العقائد المسيحية، فانه يؤكد إيمانه بعقائد الدين، ويسمها هي وحدها، دون الفلسفة بميسم الحق. ويدل تقدم سير إلى المطالبة بان يكون مديراً للجامعة على انه كان له فيها اتباع كثيرون، وان لم يوفق في طلبه هذا (1271). وليس أدل على تمكن فلسفة ابن رشد في جامعة باريس من تنديد إتيان تمپييه Etienne Tempier أسقف باريس بهذه الحركة المرة بعد المرة. ففي عام 1269 حكم بأن ثلاث عشرة قضية من القضايا التي يعلمها في الجامعة بعد الفلاسفة مبادئ الحادية لا تتفق مع الدين، وهذه القضايا هي: أنه لا يوجد في الناس كلهم إلا عقل واحد وان العالم أزلى… وأنه لم يوجد قط رجل أول… وأن النفس تفسد بفساد الجسم… وأن إرادة الإنسان تريد وتختار بحكم الضرورة… وأن الله لا علم له بالحوادث الفردية… وأن أعمال الإنسان لا تسيطر عليها العناية الإلهية. ويبدو أن مدرسة ابن رشد الفلسفية ظلت تعلم كما كانت تعلم من قبل، وشاهد ذلك أن الأسقف أصدر في عام 1277 ثبتاً بتسع عشرة ومائتي مسألة قرر رسمياً إنها تسم القائلين بها بالإلحاد. وهذه المسائل، على حد قول الأسقف، كان يعلمها سيگر أو بوئثيوس من داتشيا Boethius of Dacia أو غيرهما من أساتذة جامعة باريس ومنهم القديس توماس نفسه. وكانت هذه المسائل التسع عشرة والمائتين تشمل التي حكم عليها في عام 1269 وغيرها من المسائل الشبيهة بالأقوال الآتية: إن عملية الخلق مستحيلة… إن الجسم إذا فسد (بالموت) لا يمكن أن يقوم بعدئذ بوصف كونه الجسم نفسه… أن من واجب الفيلسوف ألا يؤمن ببعث في المستقبل، لأن هذا لا يمكن ان يمحصه العقل… أن أقوال علماء الدين قائمة على الطرافات… أن علوم الدين لا تضيف شيئاً ما إلى معلوماتنا… أن الدين المسيحي يقف في سبيل العلم… أن الإنسان يحصل على السعادة في هذه الحياة لا في غيرها… أن العقلاء في هذه الأرض هم الفلاسفة وحدهم… أنه ليس ثمة حالة أفضل من أن يجد الإنسان فراغاً في دراسة الفلسفة. وأدانت محكمة التفتيش سيگر في شهر أكتوبر من عام 1277، وقضى سنيه الأخيرة في إيطاليا سجيناً بأمر المحكمة الرومانية حتى اغتاله مختال نصف مجنون في اورڤييتو Orvieto.