شيطان الأرق

رياض سعد

شيطان الأرق

رغم السويعات القليلة التي يحاول أن يختلسها من بين أنياب اليقظة، كمن يسرق ماءً من نهرٍ متوحّش، ما إن يضع رأسه على الوسادة ويمدّ جسده المتشنّج فوق الفراش، حتى تنقضّ عليه الكوابيس دفعةً واحدة.

تأتيه لا كأحلامٍ عابرة، بل كغزوٍ منظّم، كأن شيطان الأرق قد كُتبت له الوصاية على لياليه، فلا يتركه يعبر إلى الضفة الأخرى من النوم.

يرى بنت عمّه تخرج من باب الدار، لا تلتفت خلفها، كأن البيت لم يكن يومًا مأوى… ؛  تمضي إلى شارعٍ مهجور، يبتلع خطواتها بصمتٍ ثقيل، تصحب طفليها الصغيرين، تتقدّم بهم كمن يقود ظلّيه إلى المجهول… ؛  وجهها شاحب، وعيناها معلّقتان في فراغٍ لا طريق له، كأنها لا تعرف أين تذهب، ولا من يسوقها إلى هذا المصير...

ينتفِض صارخًا، وقد خرج الصوت من أعماقه قبل أن يمرّ بعقله:

خديجة… خديجة… خديجة، أين أنتِ؟

ينهض من فراشه مذعورًا، يركض عبر باب الدار الذي تركته مفتوحًا، كأنها كانت على عجلٍ من الرحيل، أو كأن الأبواب لم تعد تعترف بالحدود… ؛  يصل إلى الشارع، فلا يرى إلا الفراغ، ولا يسمع سوى صدى اسمه يرتدّ عليه… ؛  لا خديجة، ولا طفلين، ولا أثر يدلّ على مرور بشر...

يصرخ من جديد، وقد صار النداء أثقل من أن يُحتمل، يختنق في صدره قبل أن يبلغ الهواء:

خديجة… خديجة… خديجة!

يركض نحو باب دار أبيه الملاصقة لدار عمّه، يطرق الباب بعنف، كأن الخشب مسؤول عن هذا الفقد… ؛  ينادي اسمها، لا ليستدعيها، بل ليؤكّد لنفسه أنها ما زالت موجودة في هذا العالم…

يفتح الباب...

وها هي تقف أمامه، مبتسمة، هادئة، كأن شيئًا لم يحدث، وكأن الشارع المهجور لم يكن سوى وهم… ؛  تقول بصوتٍ بسيط، خالٍ من الفزع:

— نعم، أنا خديجة… ما بك يا محمد؟

عندها يستيقظ محمد فجأة، جالسًا في فراشه، وقلبه يخفق كطائرٍ اصطدم بزجاج الواقع… ؛  يتلفّت حوله، يتلمّس جسده، يتحقّق من الغرفة… ؛  تمتد يده إلى الهاتف، يريد أن يسمع صوتها الحقيقي، أن يربط الحلم باليقين.

ينظر إلى الساعة، فإذا بالعقرب يشير إلى الثالثة والنصف مساءً.

ليس فجرًا… ولا ليلًا.

وقتٌ معلّق، كحاله تمامًا.

يحاول عبثًا أن يعود إلى الفراش، لكن النوم، وقد ذاق طعم الخوف، يرفض أن يعود.

الساعة التي لا تنام … ؛ كان ينام ليهرب من النهار، من ثقله، من أسئلته المباشرة … ؛ فيوقظه الليل متنكّرًا في هيئة سؤالٍ أعمق...!!

كلما أغمض عينيه، تسللت الذاكرة من شقوق الظلام، كدخانٍ يعرف طريقه إلى الرئتين… ؛  تعبث بملامحه، تشوّه الصور، وتعيد ترتيب الوجوه، كما تعبث الريح بورقةٍ يابسة فقدت الشجرة والعنوان.

يرى نفسه يسير في بيتٍ بلا جدران، لا يحميه سقف، ولا يحدّه اتجاه… ؛  أصوات أحبّته تتدلّى من السقف الوهمي، كالمصابيح المنطفئة ؛ موجودة، لكنها لا تُنير… ؛  يناديهم بأسمائهم، فتجيبه الجدران الخفيّة بصدى اسمه فقط، كأن العالم قد اختصر نفسه فيه، ثم نسيه…!!

تقترب منه ساعة حائط، معلّقة في الهواء، بلا عقارب، بلا زمن… ؛  تحدّق فيه طويلًا، ثم تقول بصوتٍ متكسّر، كمن يعترف بحقيقة مؤلمة:

— أنت لا تخاف النوم…

أنت تخاف ما يتذكّرك فيك.

ينتفِض، وقد غمر العرق جبينه، ويجلس على حافة السرير، نصفه في الحلم ونصفه في اليقظة… ؛  يمدّ يده نحو الهاتف، ثم يتراجع، كأن الاتصال بالحقيقة يتطلّب شجاعةً لا تقلّ قسوة عن مواجهة الكابوس.

ينظر إلى النافذة، فيرى الليل واقفًا هناك، صامتًا، بلا تعاطف، ينتظره كما ينتظر القاضي متّهمه …

عندها يفهم، أخيرًا، أن الأرق ليس عجز الجفون عن الانغلاق،

بل قدرة الذاكرة على البقاء مستيقظة،

وأن النوم ليس راحة ؛ نعم , كان يظنّ أن النوم بابٌ جانبيّ للراحة، فإذا به ممرٌّ سرّيّ إلى ذاته... ؛ بل هدنة مؤقّتة مع ما لا يجرؤ القلب على نسيانه.

عندها فهم، لا بعقله بل بثقله الداخلي،

أن الأرق ليس غياب النوم،

بل حضور الذات كاملةً، بلا أقنعة،

وأن بعض الناس لا يُعذَّبون لأنهم لا ينامون،

بل لأنهم، كلّما أغمضوا أعينهم،

استيقظوا على حقيقتهم...