علاقة الماء والرياح والسحاب في القرآن الكريم

د. فاضل حسن شريف

قوله تعالى عن الماء “وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ” (الحج 5). قوله سبحانه “وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا” ﴿الفرقان 54﴾. قوله عز وجل “أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ ۖ أَفَلَا يُبْصِرُونَ” ﴿السجدة 27﴾. قوله عز من قائل “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۚ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” ﴿فصلت 39﴾. قوله جل جلاله “وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ” ﴿القمر 12﴾. قوله عز من قائل “وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ۖ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ” ﴿القمر 28﴾. قوله سبحانه “أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ” ﴿الواقعة 68﴾. قوله عز وعلا “إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ” ﴿الحاقة 11﴾. قوله عز وجل “أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا” ﴿عبس 25﴾.

عن تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله تعالى “وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ كَذَٰلِكَ النُّشُورُ” (فاطر 9) “والله الذي أرسل الرياح” وفي قراءة الريح، “فتثير سحابا” المضارع لحكاية الحال الماضية، أي تزعجه، “فسقناه” فيه التفات عن الغيبة “إلى بلد ميت” بالتشديد والتخفيف لا نبات بها، “فأحيينا به الأرض” من البلد “بعد موتها” يبسها، أي أنبتنا به الزرع والكلأ، “كذلك النشور” أي البعث والإحياء. قوله سبحانه “وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۚ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ” (الأعراف 57) “وهو الذي يرسل الرياح نُشُرا بين يدي رحمته” أي متفرقة قدام المطر، وفي قراءة سكون الشين تخفيفا، وفي أخرى بسكونها وفتح النون مصدرا، وفي أخرى بسكونها وضم الموحدة بدل النون: أي مبشرا ومفرد الأولى نشور كرسول والأخيرة بشير “حتى إذا أقلت” حملت الرياح “سحابا ثقالا” بالمطر “سقناه” أي السحاب وفيه التفات عن الغيبة “لبلد ميت” لا نبات به أي لإحيائها “فأنزلنا به” بالبلد “الماء فأخرجنا به” بالماء “من كل الثمرات كذلك” الإخراج “نخرج الموتى” من قبورهم بالإحياء، “لعلكم تذكرون” فتؤمنون. قوله عز وجل “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ ۖ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ” (النور 43) “ألم تر أن الله يزجي سحابا” يسوقه برفق، “ثم يؤلف بينه” يضم بعضه إلى بعض فيجعل القطع المتفرقة قطعة واحدة، “ثم يجعله ركاما” بعضه فوق بعض، “فترى الوَدْق” المطر “يخرج من خلاله” مخارجه، “وينزل من السماء من” زائدة “جبال فيها” في السماء بدل بإعادة الجار “من بَرَدِ” أي بعضه “فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد” يقرب “سنا برقه” لمعانه “يذهب بالأبصار” الناظرة له: أي يخطفها. قوله عز وعلا “اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ ۖ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ” (الروم 48) “الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا” تزعجه “فيبسطه في السماء كيف يشاء” من قلة وكثرة، “ويجعله كسفا” بفتح السين وسكونها قطعا متفرقة، “فترى الودق” المطر “يخرج من خلاله” أي وسطه، “فإذا أصاب به” بالودق “من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون” يفرحون بالمطر. قوله جلت قدرته “وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ” (الحجر 22) “وأرسلنا الرياح لواقح” تلقح السحاب فيمتلئ ماء، “فأنزلنا من السماء” السحاب “ماء” مطرا، “فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين” أي ليست خزائنه بأيديكم.

عن تفسير الميسر: قال الله تعالى عن السحاب وعلاقتها بالرياح والماء قوله سبحانه “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ ۖ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ” ﴿النور 43﴾ يزجي: يُجري و يسَيِّر، برد اسم. يُزْجِي سَحَابًا: يسوقه برفق ويسر. ألم تشاهد أن الله سبحانه وتعالى يسوق السحاب إلى حيث يشاء، ثم يجمعه بعد تفرقه، ثم يجعله متراكمًا، فينزل مِن بينه المطر؟ وينزل من السحاب الذي يشبه الجبال في عظمته بَرَدًا، فيصيب به مَن يشاء من عباده ويصرفه عمَّن يشاء منهم بحسب حكمته وتقديره، يكاد ضوء ذلك البرق في السحاب مِن شدته يذهب بأبصار الناظرين إليه. قوله جل جلاله “اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ ۖ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ” ﴿الروم 48﴾ الودق: المطر بلغة جرهم، كسفا اسم، كسفا: قطعاً عظيمة، و الكِسفة و الكسيفة: القطعة من الشيء. الله سبحانه هو الذي يرسل الرياح فتثير سحابًا مثقلا بالماء، فينشره الله في السماء كيف يشاء، ويجعله قطعًا متفرقة، فترى المطر يخرج من بين السحاب، فإذا ساقه الله إلى عباده إذا هم يستبشرون ويفرحون بأن الله صرف ذلك إليهم. قوله عز من قائل “وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ كَذَٰلِكَ النُّشُورُ” ﴿فاطر 9﴾ سحابا اسم، فَسُقْنَاهُ: فَ حرف عطف، سُقْ فعل، نَا ضمير، هُ ضمير. فَتُثِيرُ سَحَابًا: تهيجه وتحركه. واللهُ هو الذي أرسل الرياح فتحرك سحابًا، فسقناه إلى بلد جدب، فينزل الماء فأحيينا به الأرض بعد يُبْسها فتخضر بالنبات، مثل ذلك الإحياء يحيي الله الموتى يوم القيامة.

قوله تعالى عن الماء “قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ” ﴿هود 43﴾ الْمَاءِ: الْ اداة تعريف، مَاءِ اسم قال ابن نوح: سألجأ إلى جبل أتحصَّن به من الماء، فيمنعني من الغرق، فأجابه نوح: لا مانع اليوم من أمر الله وقضائه الذي قد نزل بالخلق من الغرق والهلاك إلا مَن رحمه الله تعالى، فآمِنْ واركب في السفينة معنا، وحال الموج المرتفع بين نوح وابنه، فكان من المغرقين الهالكين. قوله سبحانه “لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ۚ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ” ﴿الرعد 14﴾ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَ ما هوَ بِبالِغِهِ: كالعطشان يمد يده الى ماء البئر ليرتفع الماء اليه و ما هو ببالغه. لله سبحانه وتعالى وحده دعوة التوحيد “لا إله إلا الله”، فلا يُعبد ولا يُدعى إلا هو، والآلهة التي يعبدونها من دون الله لا تجيب دعاء مَن دعاها، وحالهم معها كحال عطشان يمد يده إلى الماء من بعيد، ليصل إلى فمه فلا يصل إليه، وما سؤال الكافرين لها إلا غاية في البعد عن الصواب لإشراكهم بالله غيره. قوله عز من قائل “أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ” ﴿الأنبياء 30﴾ أولم يعلم هؤلاء الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا ملتصقتين لا فاصل بينهما، فلا مطر من السماء ولا نبات من الأرض، ففصلناهما بقدرتنا، وأنزلنا المطر من السماء، وأخرجنا النبات من الأرض، وجعلنا من الماء كل شيء حي، أفلا يؤمن هؤلاء الجاحدون فيصدقوا بما يشاهدونه، ويخصُّوا الله بالعبادة؟