الأخلاق الصالحة العمر الثاني للإنسان والمجتمع

بقلم: حسين شكران العقيلي
المقدمة
حين يتأمل الإنسان في مسيرة الحضارات، يجد أن العمران لا يُبنى بالحجارة وحدها، بل تُشيّده الأخلاق وتُثبّت دعائمه القيم الإنسانية. فالمجتمع الذي يسكنه البر وحسن الخلق، هو مجتمع يكتسب عمرًا ثانيًا يتجاوز حدود الزمن المادي، إذ يخلّد نفسه في ذاكرة التاريخ والضمير الجمعي. وقد روي عن الإمام الصادق (ع) قوله: «البر وحسن الخلق يعمران الديار ويزيدان في الأعمار» هذا الحديث الشريف يفتح أمامنا أفقًا واسعًا لفهم العلاقة بين الأخلاق والعمران، بين السلوك الفردي والامتداد الجماعي، وبين العمر البيولوجي والعمر الرمزي الذي يتركه الإنسان في مجتمعه.

نص المقال
الأخلاق الصالحة ليست مجرد سلوكيات فردية تُمارس في الحياة اليومية، بل هي منظومة قيمية تُعيد تشكيل المجتمع وتمنحه القدرة على الاستمرار. حين يلتزم الإنسان بالبر، أي الإحسان في القول والعمل، ويزين سلوكه بحسن الخلق، فإنه يساهم في بناء بيئة اجتماعية آمنة، تُشبه البيت الذي يزداد متانة كلما زُرع فيه الخير. بهذا المعنى، يصبح حسن الخلق بمثابة العمر الثاني للإنسان، إذ يترك أثرًا يتجاوز حياته الفردية ليعيش في ذاكرة الآخرين وسلوكهم.
إن الحديث الشريف يربط بين الأخلاق والعمران، وكأن الإمام الصادق (ع) أراد أن يضع قاعدة اجتماعية خالدة: أن الديار لا تُعمر بالمال وحده، ولا تُحفظ بالسلطة فقط، بل تُبنى بالبر وحسن الخلق. فالمجتمع الذي يفتقد هذه القيم، مهما بلغ من القوة المادية، يظل هشًا أمام التحديات، بينما المجتمع الذي يتأسس على الأخلاق الصالحة يكتسب حصانة داخلية تجعله قادرًا على مواجهة الزمن.
الأعمار التي يذكرها الحديث ليست محصورة في عمر الإنسان البيولوجي، بل تمتد إلى العمر الرمزي والمعنوي. فالإنسان الذي يترك أثرًا أخلاقيًا في مجتمعه يعيش في ذاكرة الناس حتى بعد رحيله، وكأن حياته امتدت لتصبح جزءًا من حياة الآخرين. وهذا ما يجعل البر وحسن الخلق وسيلة لخلود الإنسان، لا بالمعنى الأسطوري، بل بالمعنى الاجتماعي والروحي.
من زاوية أخرى، يمكن القول إن الأخلاق الصالحة هي لغة العمران الداخلي والخارجي معًا. فهي تبني الإنسان من الداخل، وتمنحه السكينة والطمأنينة، وتبني المجتمع من الخارج، فتجعله أكثر تماسكًا وتعاونًا. بهذا المعنى، يصبح حسن الخلق ليس مجرد فضيلة شخصية، بل مشروعًا جماعيًا ينعكس على استقرار الديار وامتداد الأعمار.
ولعل أجمل ما في هذا الحديث أنه يربط بين ما هو فردي وما هو جماعي، بين ما هو دنيوي وما هو أخروي. فحسن الخلق ينعكس على حياة الإنسان اليومية، ويمنحه العمر الطويل بالطمأنينة والرضا، كما ينعكس على المجتمع في صورة عمران مستمر، ويُسجّل في ميزان الآخرة كعمل صالح يخلّد صاحبه.
الخاتمة
إن البر وحسن الخلق ليسا مجرد توصية أخلاقية، بل هما قاعدة وجودية لبقاء الإنسان والمجتمع. فحين يسكن البر في القلوب، تعمر الديار، وحين يتزين الناس بحسن الخلق، يزداد العمر بالمعنى المادي والمعنوي. بهذا يصبح الحديث الشريف دعوة مفتوحة لإعادة بناء حياتنا على أساس الأخلاق، لنصنع عمرًا ثانيًا يتجاوز حدود الزمن، ويخلّد الإنسان والمجتمع في ذاكرة التاريخ.