حين ينعكس الباطن على العلن (قراءة في فساد الظاهر ودواء السريرة)

بقلم الكاتب حسين شكران العقيلي
قال الإمام الصادق عليه السلام: «فساد الظاهر من فساد الباطن، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن خاف الله في السر لم يهتك ستره في العلانية، وأعظم الفساد أن يرضى العبد بالغفلة عن الله، وهذا الفساد يتولد من طول الأمل والحرص والكبر كما أخبر الله عز وجل في قصة قارون في قوله: ﴿ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين﴾».
هذا الحديث الشريف يضعنا أمام مرآة النفس، حيث يقرر أن فساد الظاهر ليس إلا انعكاسًا لفساد الباطن، وأن صلاح السريرة هو الأساس الذي تُبنى عليه علانية المرء في المجتمع. فالظاهر لا ينفصل عن الباطن، بل هو مرآة تكشف ما يختزن القلب من نوايا ومقاصد، وما يزرع العقل من أفكار ومعتقدات. ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن خاف الله في السر لم يهتك ستره في العلن، لأن الخشية الحقيقية لا تحتاج إلى شهود، بل تنبع من وعي داخلي يربط الإنسان بخالقه في كل لحظة.
إن أعظم الفساد، كما يصفه الإمام، هو أن يرضى العبد بالغفلة عن الله. فالغفلة ليست مجرد نسيان عابر، بل هي حالة وجودية تُنتج انحرافًا في الفكر والسلوك، وتفتح أبواب الطمع والكبر والحرص، وهي ذاتها التي أوقعت قارون في هاوية الفساد حين غلب عليه طول الأمل والغرور بما يملك. إن قصة قارون ليست مجرد حكاية تاريخية، بل هي نموذج حيّ يذكّرنا بأن الفساد يبدأ من الداخل، من قلبٍ غافلٍ عن الله، ثم يتجلى في الأرض ظلمًا واستبدادًا وتباهيًا بما لا يدوم.
الحديث الشريف يقدّم رؤية إصلاحية متكاملة، تبدأ من الداخل لتنعكس على الخارج. فالإصلاح الحقيقي لا يُقاس بالمظاهر وحدها، بل بما يختزن الإنسان في سريرته من صدق وإخلاص وخشية. وإذا كان المجتمع يعاني من مظاهر الفساد، فإن العلاج يبدأ من إصلاح النفوس، لأن فساد الظاهر ما هو إلا نتيجة حتمية لفساد الباطن. وهنا تتضح جدلية العلاقة بين الفرد والجماعة: فصلاح الفرد ينعكس على صلاح المجتمع، وفساد الفرد يفتح أبواب الانحراف الجماعي.
إن طول الأمل الذي يحذر منه الحديث ليس مجرد رغبة في العيش، بل هو انغماس في الدنيا إلى حد الغفلة عن الآخرة، وهو ما يجعل الإنسان أسيرًا للحرص والكبر. فالحرص يربط الإنسان بالمادة ويجعله عبدًا لها، والكبر يقطع صلته بالآخرين ويزرع في قلبه وهم التفوق، وكلاهما يولّد فسادًا يدمّر الباطن قبل أن يظهر في العلن. ومن هنا نفهم أن الإصلاح يبدأ من مواجهة هذه الأمراض القلبية، لا من معالجة مظاهرها فقط.
إننا أمام دعوة صريحة إلى مراجعة الذات، وإلى بناء علاقة صادقة مع الله تقوم على الخشية في السر، لأن من يخاف الله في السريرة يحفظه الله في العلانية، ومن يزرع الصدق في قلبه يثمر صلاحًا في سلوكه، ومن يطهر باطنه من الغفلة ينعكس ذلك نورًا في ظاهره. هذه هي المعادلة التي يضعها الإمام الصادق عليه السلام أمامنا، وهي معادلة لا تنفصل عن الواقع الاجتماعي، بل تؤسس لرؤية إصلاحية شاملة تبدأ من الإنسان لتصل إلى المجتمع.

إن الحديث الشريف يعلّمنا أن الفساد ليس مجرد ظاهرة سياسية أو اقتصادية، بل هو في جوهره مرض روحي وأخلاقي، وأن علاجه لا يكون إلا بإصلاح السريرة، لأن القلب هو المنبع الذي تتفجر منه الأفعال. وإذا أردنا أن نواجه الفساد في الأرض، فعلينا أن نواجه الغفلة في القلوب، وأن نزرع الوعي والخشية والصدق في النفوس، لأن الأرض لا تُصلحها القوانين وحدها، بل تصلحها القلوب إذا ارتبطت بالله.
وهكذا، فإن جدلية الباطن والظاهر التي يطرحها الحديث الشريف ليست مجرد فكرة نظرية، بل هي منهج عملي لإصلاح الفرد والمجتمع، وهي دعوة إلى أن نعيد النظر في علاقتنا بالله، وفي علاقتنا بأنفسنا، وفي علاقتنا بالآخرين. فصلاح السريرة هو مفتاح النجاة، وفسادها هو أصل الهلاك، ومن هنا تبدأ رحلة الإصلاح التي لا تنتهي إلا بوعي الإنسان أن حياته ليست ملكًا له وحده، بل هي أمانة بين يدي الله، وأن الغفلة عن هذه الحقيقة هي أعظم الفساد.