الوقوف على أبواب الحرية

الوقوف على أبواب الحرية
قلم ( كامل سلمان )
أجمل شيء أن يعيش الإنسان حياته وهو حر عزيز كريم ، يعبر فيها عن رأيه بحرية ، يفكر بحرية ، يكتب بحرية ، يختار بحرية ، يتجول في فضاء الحرية لا يوجد من يسلب منه هذا الحق ولا يوجد أمام عقله حاجزاً أسمه الخوف ، وأسوأ شيء أن تكون هذه الحرية سائبة غير مسيطر عليها وتكون على حساب حرية الأخرين أو تستغل هذه الحرية للتجاوز على حقوق الناس وتجلب الضرر لهم بحجة حريتي ، فيتحول هذا الجمال إلى قبح وتتحول هذه النعمة إلى نقمة ، للأسف في مجتمعاتنا هكذا فهم معظم الناس الحرية وحرية الرأي عندما جعلوها حرية سائبة منفلتة عدوانية فوضوية ، أعتبروها تفكيراً يعطيهم الحق أن يتصرفوا كيفما يشاءون دون مراعاة لحقوق الآخرين لأنهم يعتقدون بأن الآخرين على ضلالة وأنهم وحدهم فهموا الدنيا وتعلموا كل شيء وغيرهم لا ، فعندما يصطدمون بما لا يشتهون تبدأ غليان الأحقاد بداخلهم تفور لأن حريتهم التي فهموها غلط معرضة للتهديد ، مثل هذه المشاكل في حقيقتها هي أكبر من مشكلة منع الحريات التي كنا نعاني منها لسنين طويلة في ظل الأنظمة البائدة التي زرعت فينا الخوف ، فهذه مدعاة لخلق مجتمع غير متجانس وغير متوازن ، مجتمع أقل ما يقال عنه مجتمع يعاني من عوق فكري تلتف حول عقول الناس خيوط الحقد والكراهية مثل خيوط العنكبوت ، تجد فيه من يكره الآخرين بلا سبب ويكره الدين المخالف بحقد ، يكره المذهب المخالف بحقد ، يكره القومية الأخرى بحقد ، يكره الأفكار الأخرى بحقد ، ولا يشعر بمستوى سواد الحقد الذي بداخله لأنه يعيش عوق فكري ، ثقافة العوق الفكري هي اليوم تتحكم بعقول غالبية الناس وهي التي تغزو مجتمعاتنا فهي أسوأ من كل ما أصابنا على مر السنين في ظل الأنظمة القمعية عندما عشنا الخرف الفكري لا نعرف معنى الحياة ولا معنى الحرية وإذا بنا فجأة نحصل على حرية معيوبة ممكن أن تصل بالمجتمع إلى الهاوية . اليوم في مجتمعنا النقد هو طعن وإهانة ، النقاش هو تسقيط ، الرأي المخالف عداوة وبغضاء وقد يتبعه الانتقام ، ، لماذا يصل الناس إلى هذه المرحلة السيئة ؟ الجواب ببساطة لأن عقائدهم وأفكارهم وتوجهاتهم تمنعهم من أحترام رأي الأخرين أو قبول الآخرين . ليعلم كل إنسان واعي بأن أخطر عقيدة وأخطر فكر على المجتمع هو الفكر أو المعتقد الذي يحارب باقي المعتقدات والأفكار الأخرى بشكل قاسي وينظر إليها من باب الإزدراء وأنه هو وحده الفكر الحق والأخرين هم الباطل ، صاحب الفكر المريض مبتلى بها فهو يعتقد يقيناً بأن معتقده وتفكيره هو الحق ويجب أن يتسيد على باقي المعتقدات وعلى الجميع الخضوع لما هو مؤمن به ، وللأسف جاءت الديمقراطية لتعطي هؤلاء الناس حافزاً جديداً لفرض عدوانيتهم عندما فهموا بأن رأي الأغلبية فوق الجميع مع العلم لم تخول الديمقراطية رأي الأغلبية عقائدياً أو فكرياً لتكون فوق الجميع بل رأي الأغلبية في الأنظمة الديمقراطية هو حق انتخابي للمرشح الذي يحوز على الأصوات ليمثلهم ثم يخدمهم فقط ، يخدمهم دون تمييز ودون تحامل على من لم ينتخبه ، هنالك حقيقة مرة يجب على الناس معرفتها وهي أن المعتقدات التي نجحت وأثمرت في مجتمعاتنا على طول التأريخ هي المعتقدات التي تؤمن بالعنف و تكفر الأخرين وتعطي القدسية لنفسها ، أما معتقدات وأفكار التسامح والمحبة لم يكتب لها النجاح ، هذا اللغز يشرح لنا بأن الديمقراطية مستحيلة النجاح لأن عقلية ونفسية الإنسان الذي عاش في هذه الأرض تعودت الصراعات الدموية لفرض الرأي ، ، لم يتذوق مجتمعنا طوال تأريخه الحرية الحقيقية ولم يعش مجتمعنا في يوم من الأيام حراً في التفكير والرأي فمن المؤكد سيفهمها سلباً ، كان من الخطأ أن يأخذ مجتمعنا الحرية جرعة واحدة ، كان عليه أن يأخذ الحرية جرع تدريجية حتى يصل مرحلة القدرة على فهم الحرية والتعبير عنها ، علينا أن لا نخجل من هذه الحقيقة ونصارح أنفسنا بأننا لم نكن سوى عبيد في أفكارنا وتوجهاتنا . ألم تكن عقولنا خاضعة تحت تأثير العشائرية والكل يعلم العشائرية مانعة لحرية التفكير والرأي ، ألم يكن التفكير الديني يحرم علينا أي تفكير أخر ويمنعه عنا ، ألم نعش حياة الفقر والحرمان التي تجعل الإنسان مجرد دابة تبحث عن رزقها ؟ فهل بعد كل هذا نقول أننا تحررنا ، كلا بل نحن الأن واقفون على بوابة الحرية ولم نرى الحرية بعد .