صباح البغدادي
“لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” (Make America Great Again – MAGA) هو شعار حملة انتخابية شهير للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يعكس رؤيته لإعادة الولايات المتحدة كقوة عظمى من خلال سياسات تركز على الاقتصاد الوطني وحماية المصالح الأمريكية وعلى الرغم من ظهور الشعار لأول مرة عام 1940، واستخدمه رونالد ريغان في حملته عام 1980، ثم بيل كلينتون عام 1992 وإعادة إحياء ترامب الشعار بقوة في حملته الرئاسية لعام 2016، محولاً إياه إلى حركة سياسية واسعة تُعرف بـ حركة ماغا (MAGA) وهو ما نتج عنه إعادة تعرفة الاقتصاد الأمريكي ومن خلال فرض الضرائب العالية وحتى المبالغ فيها في بعض الأحيان لجميع المنتجات المستوردة ولكن الأهم تزامنه رفع هذا الشعار مع قضية المهاجرين غير الشرعيين حيث كان قد تعهد في خطابه الأول بوصفه رئيس الولايات المتحدة السابع والأربعين، بوقف تسلل المهاجرين غير الشرعيين على الفور وبدء عملية ترحيل ملايين المهاجرين المتواجدين داخل البلاد، كما أعلن حالة طوارئ وطنية على الحدود الجنوبية للولايات المتحدة واكد الرئيس الأميركي المنتخب ترامب انه سينفذ وعده بطرد ملايين المهاجرين غير الشرعيين من البلاد بعد تسلمه منصبه، وذلك في مقابلة مضيفا أن عددهم قد يصل الى ثلاثة ملايين. وصرح ترامب في مقتطفات نشرت قبل بث المقابلة كاملة في برنامج “60 دقيقة” على “سي بي اس” ان “ما سنفعله هو اننا سنطرد المجرمين والذين يملكون سجلا اجراميا وافراد العصابات وتجار المخدرات، وهم كثر؛ مليونان على الارجح او حتى ثلاثة ملايين. سنطردهم من البلاد او سنودعهم السجن .
إن موقفنا، بوصفنا عراقيين، لا ينطلق من منطق الإقصاء أو الطرد، ولا يتبنى سياسات العزل التي تمارسها بعض الدول اليوم، فالانفتاح على الآخر قيمة إنسانية وحضارية راسخة. فجميع الزائرين مرحّب بهم، بغضّ النظر عن العرق أو القومية أو الدين أو المذهب، سواء كانت زيارتهم لأغراض سياحية أو دينية، شريطة الالتزام بالقوانين النافذة وعدم التحوّل إلى عبء اقتصادي أو أمني على الدولة والمجتمع.
غير أن هذا الانفتاح لا ينبغي أن يُختزل في سياسات غير محسوبة تتعلق بمنح الجنسية أو إعادة التوطين، خصوصًا حين تُستخدم هذه الإجراءات كوسيلة لتغيير التركيبة السكانية في بعض المدن والمحافظات، تحت مسميات إدارية أو إنسانية ملتبسة، كما هو حاصل في بعض الحالات المعاصرة. فالتجنيس الجماعي غير المنضبط يطرح إشكاليات وطنية عميقة، تتصل بمفهوم الولاء والانتماء، ولا سيما عندما يحتفظ المجنَّسون بولاءات خارج إطار الدولة الوطنية، سواء كانت قومية أو مذهبية أو سياسية.
وتتضاعف خطورة هذه السياسات حين تمتد آثارها إلى الأجيال القادمة، التي قد تتبوأ مستقبلاً مناصب سيادية أو مواقع حساسة في الدولة، من دون أن تكون مندمجة فعليًا في الهوية الوطنية الجامعة أو ملتزمة بمصالحها العليا. إن تجاهل هذه الإشكالية قد يقود، على المدى البعيد، إلى تهميش المواطنين الأصليين وتحويلهم إلى كتلة مهمّشة داخل وطنها، وهو مسار تاريخي شهدته دول عدة، حيث تحوّل أصحاب الأرض الشرعيون إلى أقلية فاقدة للنفوذ في أوطانها.
وعليه، فإن المطلوب ليس الانغلاق أو رفض الآخر، بل تبني سياسة هجرة وتجنيس رشيدة، متوازنة، تحفظ كرامة الإنسان من جهة، وتصون هوية الدولة وسيادتها ووحدة مجتمعها من جهة أخرى.
نحن، كعراقيين، لا ندعو إلى سياسات الطرد أو الإقصاء الجماعي كما تفعل بعض الدول اليوم، ولا نؤمن بمنطق الكراهية أو التمييز على أساس العرق أو القومية أو الدين أو الطائفة. فالعراق، تاريخيًا، كان بلد عبور وتعايش، ونرحب بكل من يأتيه سائحًا أو زائرًا أو لأداء الشعائر الدينية، ما دام ملتزمًا بالقوانين النافذة، ومحترمًا سيادة الدولة، وغير متحوّل إلى عبء اقتصادي أو أمني على المجتمع.
لكن هذا الانفتاح لا يمكن أن يكون غطاءً لسياسات خطيرة تُدار بصمت، وتُفرض على المجتمع دون نقاش وطني، تتمثل في التجنيس غير المنضبط وإعادة التوطين المقصودة، والتي تُستخدم عمليًا كأداة لتغيير التركيبة السكانية في مدن ومحافظات عراقية بعينها، تحت عناوين إنسانية أو إدارية مضلِّلة. ما يجري اليوم ليس اندماجًا طبيعيًا، بل هندسة ديموغرافية تحمل في طياتها تهديدًا مباشرًا لهوية الدولة ووحدة مجتمعها.
إن منح الجنسية العراقية على نطاق واسع لأشخاص لا يرتبط ولاؤهم الفعلي بالعراق، بل ببلدانهم الأصلية أو بانتماءات مذهبية وطائفية عابرة للحدود، لا يمكن تبريره سياسيًا أو وطنيًا. فالجنسية ليست وثيقة إدارية تُمنح بسخاء، بل عقد ولاء ومسؤولية، وأي تفريط بها يعني تفريغ مفهوم الدولة من محتواه.
وتبلغ خطورة هذه السياسات ذروتها حين نفكر في المستقبل: ماذا سيحدث إذا ما تسلّم أبناء هؤلاء المجنَّسين مناصب سيادية أو مواقع حساسة في الدولة؟ لمن سيكون ولاؤهم الحقيقي عند تعارض المصالح؟ وهل يُعقل أن يُطلب من العراقيين القبول بأن يصبحوا أقلية سياسية أو اجتماعية في وطنهم، لمصلحة قوى جديدة صُنعت بقرارات فوقية؟
إن الاستمرار في هذا المسار يهدد بتحويل العراقيين، على المدى البعيد، من أصحاب أرض وتاريخ وحق، إلى مجرّد تابعين داخل وطنهم، وهو مسار عرفه العالم في تجارب مريرة، حين انتهى الأمر بالسكان الأصليين إلى التهميش في أوطانهم نفسها.
إن الدفاع عن الهوية الوطنية ليس عنصرية، ورفض العبث بالتركيبة السكانية ليس كراهية، بل واجب سيادي وأخلاقي. فالدولة التي تفرّط بجنسيتها، تفرّط بمستقبلها، والدولة التي لا تحمي مواطنيها الأصليين، تحكم عليهم بالزوال البطيء.
نحن شعوب عربية بارعة في التقليد، بل متفوقة فيه. نقلّد الغرب في الأزياء، في قصّات الشعر، في الموضة، في الموسيقى، في الرقص، في اللهجة، بل حتى في صراعاته الثقافية وهوسه بالترندات. نستنسخ الشكل بلا مضمون، والقشرة بلا الجوهر، ونستهلك ما ينتجه الآخرون دون أن نسأل: لماذا نجحوا؟ ولماذا فشلنا؟
نقلّدهم حتى في الديمقراطي ولكنها ديمقراطية صورية، بلا روح، بلا مساءلة، بلا عدالة. ديمقراطية للاستهلاك… لا للحكم وذا دائما يتباهى الغرب بتصدير “الديمقراطية” إلينا، ثم يدعم من وراء الستار أنظمة استبدادية وقمعية، فقط لأن رئيسها ينسجم مع سياساته ويحمي مصالحه ويؤدي الدور المطلوب منه دون ضجيج أما الشعوب العربية، ومنها الشعب العراقي، فمكانها في الخطاب الغربي والضحية الدائمة، والمُدانة دائمًا، والمطالبة بالصبر أكثر. والعراق اصبح ساحة تجارب مباحة لا دولة بمفهومها المتعارف عليه وفي العراق، لم تُستنسخ الديمقراطية بوصفها نظام محاسبة، بل كنظام توزيع غنائم. انتخابات بلا برامج، برلمان بلا رقابة حقيقية ،حكومة بلا محاسبة تفعل ما يحلوا لها ، وشعب يُطلب منه التصفيق ثم الصمت. ومع ذلك، لا أحد يسأل: ولماذا لا نقلّد الغرب في شيء واحد فقط… في محاسبة المسؤول … ولماذا لا يكون لنا شعار؟رفع دونالد ترامب شعارًا بسيطًا، صادمًا، مباشرًا: لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى وسواء اتفقت معه أم اختلفت، فقد فهم شيئًا جوهريًا: الشعارات الوطنية إذا قيلت من خلال شخصية لديها الولاء المطلق لوطنها سوف تصنع معها الوعي، والوعي يصنع الاتجاه، والاتجاه يصنع الفعل. فما الذي يمنع العراقيين من رفع شعار:
لنجعل العراق عظيمًا مرة أخرى؟ فهل ينقصنا التاريخ؟هل ينقصنا الحضارة؟هل ينقصنا النفط؟
هل ينقصنا الشباب؟ أم ينقصنا فقط… الإرادة؟ هل انه اصبح جيل بلا شعارات… بلا مشروعة الشباب العراقي يمتلك طاقة هائلة، ووعيًا متراكمًا، وغضبًا مشروعًا. ولكنه حتى الآن بلا عنوان جامع، بلا شعار وطني ضاغط، بلا مشروع أخلاقي يحاسب السلطة بدل أن يتعايش معها. شعار “لنجعل العراق عظيمًا مرة أخرى” ليس تقليدًا أعمى، بل يكون من خلال استعادة للمعنى:و أن نطبق بان يكون المنصب خدمة عامة للمواطن لا غنيمة ون يكون المسؤول خادمًا لا متسلطًا ون تكون الوطنية فعلًا لا خطابًا ولماذا يخافون من هذا الشعار؟
هل لأن هذا الشعار يعني: محاسبة المقصّر وفضح الفاسد، وإسقاط قدسية المسؤول، وكسر ثقافة “ماكو فايدة”. هو شعار يخيف الطبقة السياسية، لأنه يحوّل المواطن من متلقٍ سلبي إلى قاضٍ أخلاقي.
لسنا دعاة طرد ولا أنصار كراهية، لكننا أيضًا لسنا سُذّجًا ولا شهود زور على ما يُفعل بهذا البلد.
العراق ليس فندقًا مفتوحًا، ولا ساحة تجارب ديموغرافية، ولا غنيمة تُدار بعقلية الصفقات السياسية والطائفية.
نعم، نرحّب بالزائر والسائح والضيف، أيًا كان دينه أو قوميته، لكن ما يحدث اليوم ليس ضيافة ولا إنسانية، بل مشروع تغييب بطيء للهوية الوطنية، يُدار بقرارات فوقية، وبلا تفويض شعبي، وتحت عناوين كاذبة.
ما يجري هو تجنيس سياسي، وإسكان موجّه، وهندسة سكانية مقصودة، لا علاقة لها بالقيم الإنسانية، بل بكل ما يهدد مستقبل الدولة.
الجنسية العراقية لم تعد تُمنح على أساس الانتماء والاندماج والولاء، بل على أساس الحسابات، والمحاور، والولاءات العابرة للحدود.
نقولها بوضوح:
من لا يكون ولاؤه للعراق أولًا وأخيرًا، لا يحق له أن يحمل جنسيته،
ومن يحتفظ بولائه لبلد آخر، أو لمذهب أو طائفة أو مشروع خارجي، لا يجوز أن يُزرع في جسد الدولة.
والأخطر من كل ذلك هو الصمت المتعمّد عن المستقبل:
ماذا سيحدث حين يتسلّم أبناء هؤلاء المجنّسين مناصب سيادية؟
لمن سيكون القرار؟
ولمن سيكون السلاح؟
ولمن سيكون الولاء عند أول اختبار؟
إن تحويل العراقيين إلى أقلية سياسية أو اجتماعية في وطنهم جريمة تاريخية،
ومن يشارك فيها — بالفعل أو بالصمت — شريك في تفكيك الدولة.
الدفاع عن العراق ليس عنصرية،
والتمسك بالهوية ليس تطرّفًا،
بل حق مشروع وواجب وطني.
ومن لا يحتمل هذا الكلام، فمشكلته ليست معنا… بل مع فكرة الدولة نفسها.
العراق اليوم لا يحتاج إلى معجزة ؟ العراق لا يحتاج شعارًا انتخابيًا جديدًا، ولا زعيمًا مخلّصًا،
ولا خطابات طائفية مستهلكة. العراق يحتاج فقط إلى: وعي جمعي،ذاكرة لا تنسى، وشعار اخر يكون بسيط ويقول للمسؤول نحن نراك … وسنحاسبك. والسؤال المحرِج , إذا كنا نقلّد الغرب في كل شيء، فلماذا لا نقلّده في حب الوطن الحقيقي؟ في المساءلة؟في إجبار المسؤول على الاستقالة عند الفشل؟ ولماذا لا يولد في العراق جيل يقول: كفى تسببتم به طول العقود الماضية … لنجعل العراق عظيمًا مرة أخرى. ولكن ليس بالشعارات الفارغة، بل بمحاسبة من سرق، ومن قصّر، ومن خان ثقة الناس.فالبلد الذي لا يحاسب مسؤوليه، لأنه
سيبقى عظيمًا… في الخطب فقط ؟ وهذا ما لا نريده أن يكون .
ومن هنا ومن هذا المبدا والمنطق نطرح صيغة بيان احتجاجي موجّه إلى السلطات التشريعية والتنفيذية في العراق :
نحن، مواطنو هذا البلد، نرفض بشكل قاطع السياسات غير المعلنة التي تُمارس تحت عناوين إنسانية أو إدارية، بينما هدفها الحقيقي هو التجنيس غير المنضبط وتغيير التركيبة السكانية في عدد من المدن والمحافظات العراقية. وإن ما يجري اليوم:
- يتم دون شفافية،
- دون نقاش وطني،
- ودون احترام لحق العراقيين في تقرير مصير دولتهم وهويتها.
نؤكد أن:
- العراق بلد مرحّب بالزائرين والسياح وأداء الشعائر الدينية، ضمن إطار القانون والسيادة.
- لكننا نرفض تحويل هذا الانفتاح إلى بوابة لتفريغ مفهوم المواطنة من معناها.
- الجنسية العراقية ليست منحة سياسية ولا أداة ولاء، بل عقد سيادي لا يجوز العبث به.
- أي تجنيس جماعي أو إسكان موجّه يهدد وحدة المجتمع ويقوّض أسس الدولة.
نحذّر من أن استمرار هذه السياسات سيقود إلى:
- تهميش المواطنين الأصليين،
- تفجير صراعات مستقبلية،
- وزرع أزمات بنيوية لن تُحلّ بالخطاب ولا بالتبرير.
نطالب بـ:
- إيقاف فوري لأي إجراءات تجنيس مشبوهة.
- مراجعة شاملة لملفات الجنسية والإسكان.
- تشريع قانون واضح وصارم ينظم الهجرة والتجنيس على أساس المصلحة الوطنية فقط.
- إخضاع كل من تورّط بهذه السياسات للمساءلة.
إن الوطن ليس ملكًا لسلطة عابرة،
ولا ورقة تفاوض،
ولا ثمنًا لتحالفات مؤقتة.
العراق للعراقيين…
والدولة التي لا تحمي شعبها، لا تستحق صمته.