دور البازار و“الدولة العميقة” والمعارضة في فتح قنوات اتصال مع امريكا لترجيح مسارات التحول داخل إيران؟وتأثيرها على دول الخليج العربي؟

صباح البغدادي

لم نكن ندّعي معرفة الغيب، لا سمح الله، إلا أن ما جرى يندرج ضمن قراءة استباقية للأحداث، كما أشرنا في مقالات سابقة. فقد توقّعنا أن تتجه القيادة الإيرانية إلى فتح قنوات اتصال مع الولايات المتحدة، ولا سيما بعد اتساع رقعة التظاهرات لتشمل معظم المدن والمحافظات، ووصول الحكومة إلى مرحلة فقدان القدرة على السيطرة عليها أو تحجيمها، رغم توجيه الاتهامات التقليدية لإسرائيل والموساد والولايات المتحدة بالتحريض وقيادة ما تصفه بـ«أعمال تخريبية». وفي هذا السياق، سارعت القيادة الإيرانية إلى التحرك بعد أن تيقّنت من جدية الرئيس الأميركي دونالد ترامب في توجيه ضربات عسكرية تستهدف معسكرات ومراكز أمنية، في حال استمرار عمليات القتل بحق المتظاهرين، وحتى مع محاولة أيهام الحكومة الإيرانية لغرب وبان تعاملها بقسوة مع التظاهرات بذريعة وجود عناصر «مخربة» تنتمي إلى تنظيمي داعش والقاعدة، وهي الذريعة التي اعتادت السلطات استخدامها لتبرير سياسات القمع والعنف.

في المقابل، يمتلك الرئيس الأميركي هامشاً زمنياً للمناورة، إذ من المقرر أن يعقد اجتماعاً مع كبار مستشاريه يوم الثلاثاء لمناقشة الخيارات المتاحة للتعامل مع إيران. وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن هذه الخيارات تشمل توجيه ضربات عسكرية، واستخدام أسلحة إلكترونية سرية، وتوسيع نطاق العقوبات، إضافة إلى تقديم دعم عبر الإنترنت لمصادر وشخصيات مناهضة للحكومة الإيرانية.

وان الشروع في فتح قنوات اتصال مع البيت الأبيض والتي اكدها الرئيس ترامب بدوره خلال الساعات الماضية بقوله للصحفيين ومن على طائرته الرئاسية :”إيران تريد التفاوض. نعم، ربما نلتقي بهم. يجري الترتيب لاجتماع، لكننا ربما نضطر للتحرك بسبب الأحداث الجارية قبل الاجتماع، ومع ذلك، يجري الترتيب للاجتماع. إيران اتصلت، وتريد التفاوض”. وتأتي تصريحات ترامب بعد أيام من تصريح الرئيس للصحفيين بأنه إذا انخرطت طهران في أعمال عنف مميتة ضد المتظاهرين، فإن الولايات المتحدة “ستتدخل”وأن ترامب يدرس خيارات تدخل مختلفة، من الضربات العسكرية إلى فرض عقوبات جديدة على شخصيات النظام، أو قطاعات من الاقتصاد الإيراني مثل الطاقة أو الخدمات المصرفية. بالاضافة الى ما تم ذكره من قبلنا حول العملية العسكرية الامريكية المرتقبة وتاثيرها المباشر على ادامة زخم التظاهرات فقد أثار بعض المشرعين الأمريكيين من الحزبين الديمقراطي والجمهوري اليوم الأحد 11 ك2 شكوكا عما إذا كان العمل العسكري مع إيران هو أفضل نهج للولايات المتحدة في وقت تواجه فيه السلطات الإيرانية اضطرابات متزايدة. وتكمن أهميتها في أن من أطلقها هم من يسمون بـ”رجال البازار”، وهم قوة مؤثرة في التغيير السياسي عبر التاريخ الإيراني، ويُنظر إليهم على أنهم موالون للنظام، ويعتبر أن الدعم الذي منحوه لرجال الدين قد ساهم في نجاح الثورة الإسلامية عام 1979 مع قوى المعارضة الأخرى في حينها . وانطلقت الاحتجاجات بإضراب نفّذه تجار في بازار طهران على خلفية تدهور سعر صرف العملة والقدرة الشرائية، قبل أن تتوسع ويرفع بعضها شعارات سياسية مناهضة لسلطات الجمهورية الإسلامية القائمة منذ عام 1979.وأشعل الاحتجاجاتِ حينها انخفاضُ الريال الإيراني إلى 1.42 مليون مقابل الدولار الأميركي، أي بانخفاض قدره 56% خلال 6 أشهر فقط.وقد أدى هذا التدهور الحاد في قيمة العملة إلى ارتفاع التضخم، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 72% في المتوسط ​​مقارنة بالعام الماضي.وبعد يومين من اندلاع الاحتجاجات في الأسواق، انضم طلاب الجامعات في العاصمة طهران إليها، وبدأت تنتشر في باقي المدن الإيرانية، وامتدت إلى 17 محافظة من أصل 31 بحلول رأس السنة. وعلى الرغم من أن التظاهرات الجارية في إيران تمثل الواجهة الأبرز للأحداث الراهنة، فإن العامل الحاسم في ترجيح مسار التحول لا يكمن في الشارع وحده، بل في البنية غير المرئية للسلطة، أو ما يمكن توصيفه بـ“الدولة العميقة”. هذه البنية، التي تشكلت عبر عقود، تتكون من تداخل مصالح ثلاث قوى رئيسية: تجار البازار، والمؤسسة الدينية، وأجزاء مؤثرة من المؤسسة العسكرية والأمنية، بما في ذلك الجيش النظامي والحرس الثوري. ففي حال تطورت الاحتجاجات خلال الأيام أو الأسابيع القادمة وخرجت عن نطاق السيطرة، فإن هذه الدولة العميقة قد تتدخل بوصفها فاعلًا ترجيحيًا، ليس دفاعًا بالضرورة عن نظام ولاية الفقيه، بل حفاظًا على استمرارية الدولة والمصالح العليا للنخب الحاكمة. ووفق القراءة الاستباقية، فإن أحد السيناريوهات المرجحة يتمثل في التضحية بمبدأ ولاية الفقيه بوصفه عبئًا سياسيًا، مقابل إعادة إنتاج النظام من خلال التيار الإصلاحي، على غرار تجربة مرحلة الرئيس الأسبق محمد خاتمي، بما يسمح بامتصاص الغضب الشعبي وإعادة الانفتاح الخارجي. ولا يمكن، نظريًا، استبعاد سيناريو القبول بصيغة ملكية دستورية، غير أن هذا الخيار يبقى ضعيف الاحتمال في المرحلة الراهنة، نظرًا لحساسيته الرمزية، ولعدم توفر توافق داخلي واضح حوله حتى الآن. وتشير القراءة الاستراتيجية كذلك إلى أن التفضيل الخليجي العام، والسعودي على وجه الخصوص، يتمثل في حدوث التغيير داخل إيران من الداخل، أي عبر مسار سياسي أو مجتمعي يؤدي إلى إعادة تشكيل النظام، لا عبر تدخل عسكري خارجي مباشر تقوده الولايات المتحدة. ويعود ذلك إلى إدراك عميق بأن أي تغيير مفروض بالقوة العسكرية قد يُدخل المنطقة في حالة فوضى أمنية مفتوحة يصعب احتواؤها.
في المقابل، لا يمكن تجاهل البعد الأمريكي في المعادلة، خاصة في ظل الخطاب التصعيدي الذي عاد للظهور مع تهديدات صريحة بالتدخل في حال استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين. ووفق سيناريو استباقي محتمل، فإن أي تدخل عسكري أمريكي – إن وقع – لن يكون على شكل حرب شاملة، بل على هيئة ضربات دقيقة ومركّزة تستهدف البنية القيادية واللوجستية للحرس الثوري الإيراني، بما في ذلك مقراته، ومعسكراته، وشبكاته الصاروخية، وبناه التحتية العسكرية، بهدف إخراجه من معادلة الصراع الداخلي بوصفه الفاعل الأكثر تشددًا.غير أن هذا الخيار، رغم طابعه “المحدود” نظريًا، ينطوي على مخاطر استراتيجية عالية. فالحرس الثوري، إذا وجد نفسه محاصرًا داخليًا ومعزولًا خارجيًا، قد يلجأ إلى استراتيجية التصعيد الشامل بوصفها “الخيار الأخير”، مستندًا إلى قدراته الصاروخية وشبكاته الإقليمية. وفي هذه الحالة، يصبح إشعال المنطقة احتمالًا واقعيًا، من خلال استهداف المصالح والقواعد الأمريكية في الخليج العربي، إضافة إلى توسيع نطاق المواجهة ليشمل إسرائيل. ولذا تكمن خطورة هذا السيناريو في أنه ينقل الأزمة من إطارها الداخلي الإيراني إلى صراع إقليمي واسع متعدد الجبهات، وهو ما تسعى غالبية الفاعلين الإقليميين إلى تجنبه، لما يحمله من كلفة سياسية وأمنية واقتصادية باهظة، ليس فقط على إيران، بل على استقرار الشرق الأوسط ككل.وعليه، فإن المفاضلة الاستراتيجية المطروحة أمام الأطراف الإقليمية والدولية لا تتمحور حول إسقاط النظام من عدمه، بل حول كيفية تحييد الحرس الثوري بوصفه عامل تفجير محتمل، دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة قد تخرج عن السيطرة.
إلى جانب ذلك، يبرز دور المعارضة الإيرانية في الخارج بوصفها عنصرًا مكملًا لا محركًا رئيسيًا. وتضم هذه المعارضة طيفًا متنوعًا، من أبرز مكوناته منظمة مجاهدي خلق، إضافة إلى أحزاب وتيارات يسارية واشتراكية وشيوعية. ورغم محدودية تأثيرها المباشر داخل إيران في الوقت الحالي، فإن حضورها الإعلامي والسياسي قد يزداد أهمية في حال حدوث فراغ في السلطة أو انتقال سياسي غير منظم.
وتجدر الإشارة، في هذا السياق التاريخي المقارن، إلى أن سقوط نظام الشاه عام 1979 لم يكن نتاج الحراك الديني وحده بقيادة آية الله الخميني، بل ساهمت فيه بشكل فاعل قوى يسارية وثورية ومنظمة، كان لها دور محوري في تسريع انهيار النظام الملكي. غير أن رجال الدين المتشددين نجحوا لاحقًا في احتكار السلطة عبر إقصاء هذه القوى، من خلال السجون، والإعدامات، ودفع جزء كبير من المعارضة إلى المنفى، وهو درس تاريخي ما زال حاضرًا في حسابات مختلف الفاعلين اليوم.

وفي ضوء ذلك، تكتسب المظاهرات الواسعة التي تشهدها إيران اليوم دلالات تاريخية مقارنة، إذ تستحضر – من حيث الحجم والانتشار – الاحتجاجات التي سبقت سقوط نظام الشاه. غير أن الفارق الجوهري بين التجربتين يكمن في طبيعة المطالب؛ فبينما كانت احتجاجات ما قبل 1979 ذات طابع أيديولوجي وديني، تتمحور الاحتجاجات الراهنة حول قضايا معيشية واقتصادية واجتماعية، ما يمنحها قاعدة جماهيرية أوسع وأقل قابلية للاحتواء الأيديولوجي. وفق القراءة الاستباقية، فإن تفاقم الأوضاع الاقتصادية قد يدفع هذه الاحتجاجات إلى مرحلة أكثر حدة، تتجاوز الطابع السلمي إلى احتمالات الانفلات الأمني أو ما يمكن توصيفه بـ”حرب الشوارع”، لا سيما في حال انقسام مؤسسات القوة المسلحة. ويُطرح هنا سيناريو بالغ الحساسية يتمثل في احتمال انحياز الجيش الإيراني النظامي إلى المطالب الجماهيرية، أو على الأقل التزامه الحياد، في مقابل تمسك الحرس الثوري بالدفاع عن النظام بوصفه الضامن الأساسي لبقائه. وهذا الانقسام، إن تحقق، سيضع إيران أمام معضلة خطيرة تشبه نماذج معاصرة لصراعات داخلية ناتجة عن ازدواج القوة المسلحة، كما في الحالة السودانية، حيث أدى الصدام بين الجيش النظامي وقوات الدعم السريع إلى انهيار الاستقرار وتحول الدولة إلى ساحة صراع مفتوح. وعليه، فإن أخطر سيناريوهات المرحلة القادمة لا يتمثل فقط في سقوط النظام أو بقائه، بل في كيفية إدارة الصراع داخل مؤسسات القوة، لأن انزلاق إيران إلى مواجهة داخلية مسلحة لن تكون تداعياته محصورة داخل حدودها، بل ستطال مجمل التوازنات الإقليمية، وفي مقدمتها العراق. ومن المؤكد أن كبار تجار البازار الإيراني، الذين يُعدّون أحد أعمدة «الدولة العميقة»، سيكون لهم دور مؤثر ومشهود في ممارسة الضغط على صناع القرار، بهدف فتح قنوات حوار مع البيت الأبيض والتوصل إلى صيغة تفاهم تحول دون تدهور الأوضاع. ويأتي ذلك خشية أن يؤدي أي تصعيد عسكري، أو دعم أميركي مباشر للمتظاهرين عبر ضربة عسكرية، إلى تداعيات كارثية لا تقتصر على إيران وحدها، بل تمتد لتشمل عموم المنطقة.