مفهوم التقوى في القرآن الكريم (اتقوا، المتقين)

د. فاضل حسن شريف

عن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى “وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ” (النحل 30) أخذ المسئول عنهم هم الذين اتقوا أي الذين شأنهم في الدنيا أنهم تلبسوا بالتقوى وهم المتصفون به المستمرون بدليل إعادة ذكرهم بعد بلفظ المتقين مرتين فيكون المسئول عنهم من هذه الطائفة خيارهم الكاملين في الإيمان كما كان المسئول عنهم في الطائفة الأخرى شرارهم الكاملين في الكفر وهم المستكبرون. فقول بعضهم: إن المراد بالذين اتقوا مطلق المؤمنين الذين اتقوا الشرك أوالشرك والمعاصي في الجملة. ليس في محله. وقوله: “قالوا خيرا” أي أنزل خيرا لأنه أنزل قرآنا يتضمن معارف وشرائع في أخذها والعمل بها خير الدنيا والآخرة وفي قولهم: “خيرا” اعتراف بكون القرآن نازلا من عنده تعالى مضافا إلى وصفهم له بالخيرية وفي ذلك إظهار منهم المخالفة للمستكبرين حيث أجابوا بقولهم: أساطير الأولين أي هو أساطير ولو قال المتقون: خير بالرفع لم يكن فيه اعتراف بالنزول كما أنه لو قال المستكبرون: أساطير الأولين بالنصب كان فيه اعتراف بالنزول. كذا قيل. وقوله: “لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ” (النحل 30) ظاهر السياق أنه بيان لقولهم:”خيرا” وهل هو تتمة قولهم أوبيان منه تعالى؟ ظاهر قوله: “وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ * جَنَّاتُ عَدْنٍ” (النحل 30-31) إلى آخر الآية أنه كلام منه تعالى يبين به وجه الخيرية فيما أنزله إليهم فإنه أشبه بكلام الرب تعالى منه بكلام المربوب وخاصة المتقين الذين لا يجترءون على أمثال هذه الاقتراحات. والمراد بالحسنة المثوبة الحسنة وذلك لأنهم بالإحسان الذي هو العمل بما يتضمنه الكتاب يرزقون مجتمعا صالحا يحكم فيه العدل والإحسان وعيشة طيبة مبنية على الرشد والسعادة ينالون ذلك جزاء دنيويا لإحسانهم لقوله: “لهم في الدنيا” ولدار الحياة الآخرة خير جزاء لأن فيها بقاء بلا فناء ونعمة من غير نقمة وسعادة ليس معها شقاء. ومعنى الآية: وقيل للمتقين من المؤمنين ما ذا أنزل ربكم من الكتاب وما شأنه؟ قالوا أنزل خيرا، وكونه خيرا هو أن للذين أحسنوا – أي عملوا بما فيه فوضع الإحسان موضع الأخذ والعمل بما في الكتاب إيماء إلى أن الذي يأمر به الكتاب أعمال حسنة في هذه الدنيا مثوبة حسنة ولدار الآخرة خير لهم جزاء. ثم مدح دارهم ليكون تأكيدا للقول فقال: “ولنعم دار المتقين” (النحل 30) ثم بين دار المتقين بقوله: “جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ” (النحل 31) والمعنى ظاهر.

جاء في التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى “وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ” (النحل 30) “وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً” (النحل 30). بعد أن ذكر سبحانه المشركين الذين وصفوا القرآن بالخرافات وأساطير الأولين ذكر في هذه الآية المؤمنين، وانهم إذا سئلوا عن القرآن ذكروه بالتقديس والتعظيم، ونعتوه بما نعته الإمام علي في نهج البلاغة: (ظاهره أنيق، وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولا تكشف الظلمات الا به). “لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ”. هذه الجملة مستأنفة لا صلة لها بما قبلها، وقيل: بل هي من كلام المتقين، وانها بدل من خير. والمعنى واحد على التقديرين، وهو ان اللَّه سبحانه يجزي المحسنين خيرا في الدنيا، ولو بالذكر الجميل “ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ” (النحل 30) من نعيم الدنيا المشوب بالهمّ والكدر، والمحدود كما وكيفا “ولَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ” لأنها دار الهناء الدائم الذي لا تشوبه شائبة من همّ وعناء.

وعن لأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ” (النحل 30) قرأنا في الآيات السابقه أقول المشركين حول القرآن وعاقبة ذلك، والآن فندخل مع المؤمنين في اعتقادهم وعاقبته. فيقول القرآن: “وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا” (النحل 30). وروي في تفسير القرطبي: كان يرد الرجل من العرب مكّة في أيّام الموسم فيسأل المشركين عن محمّد صلى الله عليه وآله وسلم فيقولون: ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون. ويسأل المؤمنين فيقولون: أنزل اللّه عليه الخير والهدى. ما أجمل هذا التعبير وأكمله (خيراً) خير مطلق يشمل كل: صلاح، سعادة، رفاه، تقدم مادي ومعنوي، خير للدنيا والآخرة، خير للإِنسان الفرد والمجتمع، وخير في: التربية والتعليم، السياسة والإِقتصاد، الأمن والحرية. والخلاصة: خير في كل شيء (لأنّ حذف المتعلق يوجب عموم المفهوم). وقد وصفت الآيات القرآنية القرآن الكريم بأوصاف كثيرة مثل: النّور، الشفاء، الهداية، الفرقان (يفرق الحق عن الباطل)، الحق، التذكرة، وما شابه ذلك. ولكن في هذه الآية وردت صفة (الخير) التي يمكن أن تكون مفهوماً عاماً جامعاً لكل تلك المفاهيم الخاصة. والفرق واضح في نعت القرآن بين المشركين والمؤمنين، فالمؤمنون قالوا: (خيراً) أي أنزل اللّه خيراً، وبذلك يظهر اعتقادهم بأنّ القرآن وحي إِلهي. بينما نجد المشركين عندما قيل لهم ماذا أنزل ربّكم؟ قالوا: “أساطير الأولين” وهذا إِنكار واضح لكون القرآن وحي إِلهي. وتبيّن الآية مورد البحث نتيجة وعاقبة ما أظهره المؤمنون من اعتقاد، كما عرضت الآيات السابقة عاقبة ما قاله المشركين من عقاب دنيوي وأخروي، ومادي ومعنوي مضاعف: “لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ” (النحل 30). وقد أطلق الجزاء بالـ (حسنة) كما أطلقوا القول (خيراً)، ليشمل كل أنواع الحسنات والنعم في الحياة الدنيا، بالإِضافة إِلى: “وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ” (النحل 30). وتشارك عبارة (نعم دار المتقين) الإِطلاق مرّة أُخرى وكلمة (خيراً)، لأنّ الجزاء بمقدار العمل كمّاً وكيفاً. فيتّضح لنا ممّا قلنا إنّ الآية “للذين أحسنوا” (النحل 30) إِلى آخرها تعبر عن كلام اللّه عزَّ وجلّ، ويقوى هذا المعنى عند مقابلتها مع الآيات السابقة. واحتمل بعض المفسّرين أنّ الظاهر من الكلام يتضمّن احتمالين: الأوّل: أنّه كلام اللّه. الثّاني: أنّه استمرار لقول المتقين.