الورقة في القرآن بمفهوم النقود (ح 2)

د. فاضل حسن شريف

عن تفسير الميسر: قوله تعالى “وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوبَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا” (الكهف 19) بَعَثْنَاهُمْ: بَعَثْ فعل، نَا ضمير، هُمْ ضمير، بعثناهم: أيقظناهم من نومهم وهم أهل الكهف، ثم أيقظناهم مِن نومهم، لنُظهر للناس ما علمناه في الأزل، فتتميَّز أي الطائفتين المتنازعتين في مدة لبثهم أضبط في الإحصاء، وهل لبثوا يومًا أو بعض يوم، أو مدة طويلة؟

ورق بفتح الراء جمعه اوراق، والواحدة ورقة، وفعلها ورق، وورق الشجرة اي اخذ اوراقها. وورق الاشجار هي صفائح رقيقة ناعمة خضراء اللون غالبا كما قال الله تعالى “وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا” (الانعام 59). وشجرة فيها ورق ليس فيها ثمر فيقال لها شجرة لا مال لها لان الثمر مال كما قال الله تعالى “وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا” (الكهف 34). الوراق هي خضرة الارض. ويقال غصن مورق. وهنالك معاني اخرى للورق منها ورق المال بكسر الراء”فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَة ” (الكهف 19) ورقكم هي دراهم من فضة. و ورق بسكون الراء رقاقة يكتب عليها مثل ورق الكتاب وجمعه ورق بفتح الراء. شجر وراق اي كثير الورق، و توريق الشجر إخراج ورقه، واخضر ورق الشجر أي أصبح لونه اخضرا.

جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى “وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوبَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا” (الكهف 19) “وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ” (الكهف 19) معناه: وكما فعلنا بهم الأمور العجيبة وحفظناهم تلك المدة المديدة بعثناهم من تلك الرقدة وأحييناهم من تلك النومة التي أشبهت الموت “لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ” أي: ليكون بينهم تساؤل وتنازع واختلاف في مدة لبثهم فينتبهوا بذلك على معرفة صانعهم ويزدادوا يقينا إلى يقينهم “قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ” (الكهف 19) في نومكم “قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ” قال المفسرون إنهم دخلوا الكهف غدوة وبعثهم الله في آخر النهار فلذلك قالوا يوما فلما رأوا الشمس قالوا أوبعض يوم وكان قد بقيت من النهار بقية “قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ” (الكهف 19) وهذا القائل هو تمليخا رئيسهم عن ابن عباس رد علم ذلك إلى الله تعالى “فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ” والورق الدراهم وكان معهم دراهم عليها صورة الملك الذي كان في زمانهم عن ابن عباس “إلى المدينة” يعني المدينة التي خرجوا منها “فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا” (الكهف 19) أي: أظهر وأحل ذبيحة عن ابن عباس قال لأن عامتهم كانت مجوسا وفيهم قوم مؤمنون يخفون إيمانهم وقيل: أطيب طعاما عن الكلبي وقيل: أكثر طعاما من قولهم زكى المال إذا زاد عن عكرمة وذلك لأن خير الطعام إنما يوجد عند من كثر طعامه وقيل: كان من طعام أهل المدينة ما لا يستحله أصحاب الكهف “فليأتكم برزق منه” أي: فليأتكم بما ترزقون أكله “وليتلطف” أي: وليدقق النظر ويتحيل حتى لا يطلع عليه وقيل: وليتلطف في الشراء فلا يماكس البائع ولا ينازعه. “وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا” (الكهف 19) أي: لا يخبرن بكم ولا بمكانكم أحدا من أهل المدينة.

عن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوبَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا” (الكهف 19) سوف نقرأ في الآيات القادمة إِن شاء الله تعالى أنَّ نوم أصحاب الكهف كان طويلا للغاية بحيث استمر (309) سنة، وعلى هذا الأساس كانَ نومهم أشبه بالموت، ويقظتهم أشبه بالبعث، لذا فإِنَّ القرآن يقول في الآيات التي نبحثها “وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ” (الكهف 19). يعني مِثلما كُنّا قادرين على إِنامتهم نوماً طويلا فإِنّنا أيضاً قادرون على إِيقاظهم. لقد أيقظناهم مِن النوم: “لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ” (الكهف 19). “قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ” (الكهف 19). لعل التردُّد والشك هنا يعود كما يقول المفسّرون إِلى أن أصحاب الكهف دخلوا الغار في بداية اليوم، ثمّ ناموا، وفي نهاية اليوم استيقظوا مِن نومهم، ولهذا السبب اعتقدوا في بادىء الأمر بأنّهم ناموا يوماً واحداً، وبعد أن رأوا حالة الشمس، قالوا: بل “بعض يوم”. وأخيراً، بسبب عدم معرفته لمقدار نومهم قالوا:”قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ” (الكهف 19). قال بعضهم: إِنَّ قائل هذا الكلام هو كبيرهم المسمى (تلميخا) وبالنسبة لإِستخدام صيغة الجمع على لسانه (قالوا) فهو متعارف في مثل هذه الموارد. وَقد يكون كلامهم هذا بسبب شكِّهم في أنَّ نومهم لم يكن نوماً عادياً، وذلك عندما شاهدوا هندامهم وشعرهم وأظفارهم وما حلَّ بملابسهم. ولكنَّهم ـ في كل الأحوال ـ كانوا يحسّون بالجوع وبالحاجة الشديدة إِلى الطعام، لأنَّ المخزون الحيوي في جسمهم انتهى أو كاد، لذا فأوّل اقتراح لهم هو إِرسال واحد منهم مع نقود ومسكوكات فضية لشراء الغذاء: “فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ”. ثمّ أردفوا: “وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا” (الكهف 19).

جاء في موقع موضوع عن مفهوم الأمن في القرآن الكريم للكاتب طلال مشعل: أنواع الأمن في القرآن: الأمن السياسي: إن من مظاهر الأمن الذي يتحقّق للمجتمع المسلم، الأمن السياسي، ومن الأمثلة على ذلك في القرآن الكريم قصّة أهل الكهف حينما بعثوا أحدهم إلى المدينة ليَبتاع لهم رزقاً، قال تعالى مبيّنا ذلك في كتابه الكريم: “فَابعَثوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُم هـذِهِ إِلَى المَدينَةِ فَليَنظُر أَيُّها أَزكى طَعامًا فَليَأتِكُم بِرِزقٍ مِنهُ وَليَتَلَطَّف وَلا يُشعِرَنَّ بِكُم أَحَدًا” (الكهف 19)، فقد بعث أصحاب الكهف أحدهم إلى السوق داعين إيّاه إلى التلطّف، أي التأنّي والتجمّل في قوله، وسرعة إنجاز مهمّته حتى لا تتنبّه إليه الناس فيؤدّي ذلك للسؤال عن حاله، والاستعلام عن مقامه، فتكون النتيجة معرفة أمره وأمر أصحابه، وبما يؤدي إلى ما لا تحمد عُقباه من المآلات، فينكشف أمر القوم وتنتهي دعوتهم.