رياض سعد
تُظهر الوقائع التاريخية والمعاصرة في ما يُسمّى بالعالم العربي أن الانتماء الديني أو العرقي، حين يتحوّل إلى معيار حصري للشرعية السياسية والاجتماعية، يصبح أداة إقصاء وقمع لا وسيلة تعايش… ؛ لقد كشفت أحداث متراكمة، وبأدلة دامغة، أن الاختلاف – دينيًا كان أم مذهبيًا أم عرقيًا أم قوميا – غالبًا ما يُقابَل بالعنف، أو التهميش، أو الإقصاء، حين يقع خارج الإطار الضيق الذي تفرضه السلطة العربية السنية المهيمنة.
نعم , تُعدّ مسألة اضطهاد الأقليات في العالم العربي من أكثر القضايا تعقيدًا وتشابكًا، نظرًا لتداخل العوامل السياسية والاجتماعية والنفسية والدينية في إنتاجها واستدامتها… , ولا يمكن فهم هذه الظاهرة بوصفها سلسلة أحداث منفصلة أو أخطاء ظرفية، بل باعتبارها نتاجًا لبُنى سلطوية وأنماط تفكير إقصائية تشكّلت تاريخيًا، وأُعيد إنتاجها عبر الدولة والمجتمع معًا... .
وتنطلق هذه المقالة من فرضية أساسية مفادها أن الإشكال لا يكمن في هوية دينية أو عرقية بعينها، بل في تحويل الهوية إلى أداة للسلطة، واستخدامها معيارًا للانتماء السياسي والاجتماعي الكامل… ؛ فعندما تُعرَّف الدولة، صراحة أو ضمنيًا، من خلال هوية أحادية مغلقة، يصبح المختلف عنها مشروع إقصاء، مهما كانت درجة قربه الديني أو القومي.
وتُظهر التجارب المعاصرة في العراق وسوريا وتركيا ، على سبيل المثال، أن الانتماء إلى الإسلام السني لم يكن كافيًا لحماية الأكراد من سياسات القمع والتهجير والظلم والاقصاء ، كما أن العروبة لم تشكّل درعًا واقيًا للشيعة العرب في العراق خلال فترات طويلة من الحكم الطائفي الهجين … ؛ كذلك، لم تمنح الهوية القومية المشتركة حماية فعلية للعلويين أو الدروز أو المسيحيين أو الشبك، حين اصطدمت انتماءاتهم الدينية أو المذهبية مع هوية السلطة السنية المهيمنة.
والأقليات غير المسلمة، مثل اليزيديين والصابئة والكاكائيين والبهائيين واليهود، إضافة إلى بعض الجماعات المسيحية في بلدان عربية مختلفة… ؛ قد عانت تاريخيًا من هشاشة موقعها القانوني والاجتماعي، حيث جرى التعامل معها بوصفها “جماعات استثناء” لا مواطنين متساوين… ؛ فقد وجدت نفسها، في كثير من المحطات، خارج معادلة “المواطنة المتساوية”، لتُختزل في كونها “آخر” مختلفًا، يُنظر إليه بريبة أو عداء، لا بوصفه شريكًا في الوطن … ؛ ويكشف ذلك عن خلل بنيوي في مفهوم المواطنة ذاته، لا عن صراع ديني أو قومي فحسب.
بالتأمل العميق في التجارب التاريخية والواقع المعاش، تتجلى حقيقة مرة: فأنت إن لم تكن سنياً عربياً في الفضاء الذي يسمى “العالم العربي”، فأنت في كثير من الأحيان مشروع للتهميش والإبادة والتهجير والسلب والنهب والنحر والذبح … ؛ و الأحداث والشواهد تؤكد هذه الفرضية؟
وهذه المقاربة تكشف عن بنية هرمية للحق والقيمة والحماية، تقف في قمتها “الهوية السنية العربية” بوصفها معياراً أولياً… ؛ وتنحدر درجات الحماية والقبول كلما بعدت الهوية عن تلك القمة، حتى تصل إلى حد الإهمال أو العداء المفترض للأقليات غير المسلمة وللمسلمة احيانا …!!
*** فالسؤال الجوهري ليس: من هو الضحية؟ بل: كيف تُبنى منظومة الاضطهاد؟
وللإجابة، لا بد من تفكيك العلاقة المعقّدة بين الهوية والسلطة والعقيدة والدولة .
من الزاوية السياسية، يمكن القول إن جزءًا كبيرًا من هذا الاضطهاد يرتبط بطبيعة الدولة السلطوية، التي تبحث عن شرعية سريعة ومعبّئة، فتجد في الخطاب الديني أو القومي الأحادي وسيلة فعّالة لتوحيد الأغلبية حولها، مقابل شيطنة الأقليات… ؛ وهنا يتحوّل الصراع من تنافس سياسي طبيعي إلى صراع وجودي، تُختزل فيه الجماعات المختلفة إلى تهديد دائم للأمن والهوية… ؛ ومن مهازل الدهر ان تحتمي السلطات الطائفية في العراق – في العهود البائدة – والبحرين بالمظلة السنية على الرغم من كون الاغلبية السكانية شيعية …!!
فالجانب السياسي كما اسلفنا يكمن في اختزال الدولة ومؤسساتها في حكومة الأكثرية الهوياتية، حيث تصبح الحقوق مشروطة بالانتماء لا بالمواطنة المشتركة… ؛ فالدولة – في هذا السياق – تتحول إلى أداة لترجمة هيمنة مجموعة دينية عرقية واحدة.
أما من الناحية النفسية–الاجتماعية، فتسهم عمليات التنشئة الاجتماعية، والتعليم المؤدلج، وخطاب الكراهية، في ترسيخ صورة “الآخر” بوصفه خطرًا يجب تحييده أو إخضاعه… ؛ ومع مرور الوقت، تتكوّن قابلية جماعية لتبرير العنف، ليس باعتباره انتهاكًا، بل كفعل دفاعي أو واجب أخلاقي، وهو ما يزيد من صعوبة تفكيك هذه البُنى… ؛ وقد تبنت السعودية ومنذ نشأتها الاولى مهمة التبشير بالفكر التكفيري والسلفي والارهابي ونشره في مختلف دول العالم الاسلامي والعربي , وانفقت في سبيل غسل الادمغة وتغيير القناعات مئات المليارات … .
ففي الجانب الاجتماعي يعزز هذا الاختزال شعوراً بالتفوق الجماعي ويُسيج المجتمع بحدود طائفية صلبة. فيتحول الاختلاف من حقيقة طبيعية إلى “مشكلة” و “عبء” و “تهديد” واجب الإزالة… ؛ ومن الجانب النفسي يخلق هذا النظام شخصية جماعية قلقة، تستمد أمنها من إثبات ذاتها بإنكار الآخر وتهميشه… ؛ حيث يُربّى الفرد على الخوف من الاختلاف، وعلى تقديس الهوية الواحدة، ما يسهّل تبرير العنف ضد “الآخر”، وتجريده من إنسانيته… ؛ وهكذا يتحوّل الصراع من صراع مصالح قابل للتسوية، إلى صراع عقائدي جامد، لا يعترف بالحلول الوسط.؛ فالاضطهاد ليس دليل قوة، بل دليل خوف عميق من التعددية وتحدياتها … ؛ كما اسلفنا .
ومن الجانب العنصري: يتحد العنصر القبلي (العروبة) مع العنصر الديني الطائفي (السنية) ليخلقا معادلة استحقاق أورثوذكسية مغلقة… ؛ فكل من هو خارج هذا الإطار يصير “دخيلاً” محتملاً، وموردُه مشترك بين القبول المشروط والرفض المطلق…!!
بهذا المنظور، يظهر أن “عداء” الانظمة السياسية والجماعات والقواعد الشعبية العربية السنية للأقليات بل وحتى الطوائف الكبرى هو عداء عقائدي هوياتي عمقه تاريخي… ؛ في حين أن “عداءها” للقوى العظمى (كمثل أمريكا بل حتى اسرائيل ) هو عداء مصالح متغير حسب الظروف… , اذ ؛ يُلاحظ أن العلاقات مع القوى الدولية الكبرى غالبًا ما تُدار بمنطق المصالح لا العقائد، إذ تتبدّل التحالفات بتبدّل الظروف، بغضّ النظر عن الخطابات الأيديولوجية المعلنة … ؛ وتشهد على ذلك تحالفات الإمساك بالسلطة والتوازنات الإقليمية المتقلبة والتطبيع مع الكيان الصهيوني ؛ وقد شهد التاريخ تحالفات متناقضة ظاهريًا، حين تلتقي المصالح السياسية، مهما بلغت حدة الخطاب الأيديولوجي المعلن.
الا ان هذا التناقض – بالنسبة للأنظمة السياسية العربية السنية – يكشف أن الصراع الداخلي مع الأقليات والطوائف الكبرى ليس حتميًا ولا دينيًا خالصًا، بل سياسي في جوهره، تُلبسه السلطة لبوس العقيدة حين يخدم بقاءها وسياساتها المشبوهة .
هنا تتضح الإشكالية الجوهرية :
الاضطهاد لم يكن ناتجًا عن خلافات فردية أو أحداث عابرة، بل عن بنية فكرية–سياسية تقوم على احتكار الحقيقة الدينية -هذا بالنسبة للجماعات والقواعد الشعبية – ، وربطها بالسلطة، وتحويلها إلى أداة شرعنة للعنف – هذا بالنسبة للأنظمة السياسية – … ؛ فحين تُعرّف الدولة نفسها دينيًا أو مذهبيًا، يصبح المختلف تهديدًا وجوديًا، لا مواطنًا له حقوق.
خلاصة: تشير واقعية الاضطهاد والاقصاء والتهميش وعدم الاعتراف بالحقوق إلى أن سبيل النجاة للأقليات والطوائف الكبرى في هذا الفضاء – في غياب دولة المواطنة المتساوية – لا يمر بالضرورة عبر الشعارات المجروحة عن “الواحدة” و “الأمة”، بل قد يكمن في بناء حيلة وجودية ذكية، تستفيد من التوازنات الدولية والإقليمية لكسب حيز من الحماية والاعتراف، بينما تستمر في مقاومة آفة التمزق الهوياتي من داخله… ؛ فالتاريخ يعلمنا أن مصير الضعيف – في غياب القانون العادل – مرتبط بقدرته على إدارة هشاشته بكيد ووعي.
و أن معالجة اضطهاد الأقليات والطوائف الكبرى في العالم العربي لا يمكن أن تتم عبر حلول أمنية أو تسويات ظرفية، بل تتطلّب إعادة تعريف الدولة على أساس المواطنة المتساوية، وفصل الدين عن آليات الحكم، وبناء عقد اجتماعي يعترف بالتعددية بوصفها مصدر قوة لا تهديدًا… ؛ ومن دون هذا التحوّل البنيوي، ستظل ظاهرة الإقصاء تتخذ أشكالًا جديدة، بينما تبقى جذورها راسخة في بنية السلطة والوعي الجمعي.
إن التحدي الحقيقي لا يتمثل في إدارة الخلاف، بل في الانتقال من منطق الغلبة والهيمنة إلى منطق الشراكة والحقوق، وهو انتقال لا يزال مؤجّلًا في معظم التجارب العربية المعاصرة.
نعم , إن الحقيقة التي تفرض نفسها بمرارة هي أن الأقليات والطوائف الكبرى في كثير من دول المنطقة لم تُحمَ بالقانون، ولا بالمواطنة، ولا بالشعارات القومية أو الدينية، بل تُركت في مواجهة منظومات عنف غير متكافئة… ؛ ولذلك، فإن أي نقاش جاد حول المستقبل لا بد أن ينطلق من تفكيك خطاب الإقصاء، وبناء دولة مدنية عادلة، تُساوي بين مواطنيها، وتفصل بين الإيمان الديني وإدارة السلطة.
فمن دون ذلك، سيبقى التاريخ يعيد نفسه، بأسماء مختلفة، وضحايا جدد، بينما تبقى المشكلة الحقيقية بلا حل: كيف نُدير التنوّع، لا كيف نقمعه؟