صباح البغدادي
في سياق سعي رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إلى تثبيت موقعه السياسي وتهيئة الظروف لولاية ثانية، يبرز خيار بالغ الخطورة يتمثل في القبول باستضافة ما يقارب سبعة آلاف عنصر من تنظيم داعش، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لكسب رضا الولايات المتحدة ومواءمة أولوياتها الأمنية في المنطقة. وهذه الخطوة لا يمكن قراءتها باعتبارها إجراءً إدارياً أو أمنياً تقنياً فحسب، إذ إن الحديث لا يدور عن عناصر هامشية أو مقاتلين محدودي الخبرة، بل عن كوادر قتالية متمرسة خضعت لسنوات طويلة لمنظومة قيادة وسيطرة صارمة، وتحمل عقيدة عسكرية-أيديولوجية صلبة تقوم على ثنائية واضحة: إما إعادة إنتاج مشروع “دولة الخلافة” أو الموت في سبيله. مثل هذه البنية لا تتفكك بسهولة عبر الاحتجاز أو إعادة التأهيل الشكلية. وتتعاظم المخاطر الاستراتيجية عندما نأخذ في الاعتبار أن الغالبية العظمى من هؤلاء المقاتلين ليست من الجنسية العراقية، بل تنتمي إلى طيف واسع من الجنسيات والخلفيات القتالية، ما يحولهم إلى قنبلة أمنية عابرة للحدود. هذا الواقع يفتح الباب واسعاً أمام تكرار سيناريوهات تاريخية كارثية، وعلى رأسها حادثة هروب عناصر تنظيم القاعدة من سجن أبو غريب، ليس بوصفها احتمالاً نظرياً، بل كسيناريو مرجّح عاجلاً أم آجلاً في ظل هشاشة البنية الأمنية وتداخل المصالح الإقليمية. وفي المقابل، لا يمكن عزل هذه التطورات عن حسابات الفاعلين الإقليميين، وعلى رأسهم الحرس الثوري الإيراني، الذي من المرجح أن يبدأ بوضع خطط متعددة المسارات للتعامل مع هذا المتغير الجديد. فوجود هذا العدد من المقاتلين المؤدلجين داخل الجغرافيا العراقية يشكّل فرصة قابلة للاستثمار لخلق موجات فوضى مدروسة في العراق وسوريا، سواء بشكل مباشر أو عبر أدوات وسيطة. وإذا كانت الولايات المتحدة قد اشتهرت بمفهوم “الفوضى الخلّاقة” كأداة لإعادة تشكيل البيئات السياسية، فإن إيران تمتلك بدورها نسختها الخاصة من الفوضى، لكن بوسائل أكثر دموية وأقل ضجيجاً: عودة السيارات المفخخة، الأحزمة الناسفة، والعمليات الانتحارية التي يحمل توقيعها تنظيم “الدولة الإسلامية” بنسختيه العراقية والسورية. وعليه، فإن احتضان هذا الخزان البشري المتطرف لا يهدد الاستقرار الداخلي للعراق فحسب، بل ينذر بإعادة تدوير العنف الإقليمي ضمن معادلات أكثر تعقيداً وخطورة.
وحسب ما يتم تتداوله حاليا في وسائل الإعلام الإخبارية : فقد أعلنت القيادة الوسطى الأميركية، اليوم الأربعاء 21 ك2 2025 ، إطلاق عملية لنقل معتقلي تنظيم الدولة الإسلامية من شمال شرقي سوريا إلى العراق، مبيّنة أنها تمكنت من نقل 150 معتقلا كانوا في مركز احتجاز في الحسكة إلى موقع آمن في العراق. ونقلت الجزيرة عن القيادة الوسطى الأميركية توقعها أن يصل عدد معتقلي تنظيم الدولة الذين سينقلون من سوريا إلى العراق إلى 7 آلاف معتقل، فيما قال قائد القيادة الوسطى الأميرال براد كوبر “ننسق عن كثب مع الشركاء الإقليميين، بما في ذلك الحكومة العراقية، ونقدر بصدق دورهم في ضمان الهزيمة الدائمة لتنظيم الدولة”. من جانبها، رحبت دمشق بالخطوة الأميركية، إذ قال مصدر مسؤول في وزارة الخارجية السورية للجزيرة إن بلاده تعتبر هذه الخطوة هامة لتعزيز الأمن والاستقرار، مؤكدا التزام دمشق بتقديم كامل الدعم اللوجستي والأمني اللازم لضمان نجاح العملية.ضمن هذا السياق، يُرجَّح أن تكون قيادات وخبراء الأمن القومي في الحرس الثوري الإيراني بصدد إعداد سيناريوهات مركّبة للاستفادة غير المباشرة من مقاتلي تنظيم داعش، على غرار النموذج الذي جرى توظيفه سابقاً مع عناصر تنظيم القاعدة عقب تسهيل هروبهم من سجن أبو غريب. ذلك النموذج لم يكن عشوائياً، بل جاء ضمن مقاربة محسوبة تقوم على إعادة تدوير التهديد بدلاً من القضاء عليه، واستخدامه كأداة ضغط وفوضى موجّهة.
السيناريو المحتمل لا يقوم بالضرورة على قيادة مباشرة أو ارتباط تنظيمي معلن، بل على إدارة البيئة الأمنية بما يسمح بحدوث اختراقات محسوبة: تراخٍ أمني انتقائي، تسهيل حركات هروب أو إعادة انتشار، وغضّ طرف عن شبكات التمويل والتهريب. الهدف من ذلك هو إطلاق طاقة عنف كامنة في توقيتات مدروسة، بما يؤدي إلى إرباك المشهد الأمني في العراق وسوريا، واستنزاف الخصوم المحليين والدوليين على حد سواء.
في هذا الإطار، يُنظر إلى مقاتلي داعش بوصفهم “أدوات فوضى جاهزة”، تمتلك الخبرة، والعقيدة، والقدرة على العمل اللامركزي، ما يجعل توجيههم – ولو بشكل غير مباشر – أكثر فعالية وأقل كلفة سياسية. عودة التفجيرات النوعية، والعمليات الانتحارية، واستهداف البنى التحتية الحساسة، يمكن أن تُستخدم لإعادة تشكيل أولويات القوى الدولية، وإجبارها على الانكفاء الأمني بدلاً من التركيز على ملفات النفوذ الإقليمي أو الصراع مع طهران.
وبذلك، يتحول وجود آلاف المقاتلين الدواعش داخل الجغرافيا العراقية من ملف أمني مغلق إلى ورقة استراتيجية مفتوحة، قابلة للتوظيف ضمن صراع الإرادات الإقليمي. فالفوضى هنا لا تكون هدفاً بحد ذاتها، بل وسيلة لإعادة ترتيب موازين القوة، وفرض وقائع جديدة على الأرض، تماماً كما حدث في مراحل سابقة حين أُعيد إنتاج تهديد القاعدة ليخدم أجندات تتجاوز التنظيم ذاته.
هذه القراءة، وإن بدت قاتمة، إلا أنها تنطلق من منطق التجربة لا من منطق التهويل، وتفترض أن تركيز هذا الكم من المقاتلين المؤدلجين في بيئة سياسية وأمنية هشّة هو بحد ذاته قرار استراتيجي عالي المخاطر، قد تتجاوز ارتداداته حدود العراق إلى كامل الإقليم.
وأعلنت سوريا، أمس الثلاثاء، وقفا لإطلاق النار مع قوات قسد بعد أن انتزعت منها مساحات واسعة من الأراضي في شمال شرق البلاد، ومنحتها 4 أيام للموافقة على الاندماج تحت راية الدولة. وحثت الولايات المتحدة، الحليف الرئيسي لقسد، على قبول ذلك.
في السياق ذاته، قالت وكالة الأنباء العراقية (واع) إن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني القائد العام للقوات المسلحة، أجرى زيارة استطلاعية إلى إحدى النقاط الأمنية التابعة لقيادة المنطقة السادسة في قوات الحدود بقضاء سنجار في الحد الفاصل بين حدود العراق مع سوريا.
وأكد السوداني “امتلاك العراق خط صد مميزا بإجراءات استثنائية عملت عليه وزارة الداخلية طيلة الفترة الماضية، ويمثل واحدا من أهم الإجراءات لمنع تسلل الإرهابيين وحفظ حدود العراق الرسمية”.
وأوضح السوداني، أنه “وجّه الوزارات والجهات المعنية، وخصوصا وزارة الداخلية- قيادة قوات الحدود بتنفيذ الساتر الأمني مع سوريا وفق تحصينات تحصل لأول مرّة في تاريخ العراق”.
وأشار إلى “عقد مؤتمرات مع جميع قادة الأجهزة الأمنية والتشكيلات العسكرية المتواجدة والمنتشرة من مختلف الصنوف (الجيش، والحشد الشعبي، والحشد العشائري، وبقية تشكيلات وزارة الداخلية)”.
واستمع السوداني خلال الجولة إلى شروحات من كل من وزير الداخلية وقائد القوات البرية وقائد قوات الحدود ومدير الاستخبارات العسكرية، تضمنت إجراءات تأمين الحدود العراقية السورية، والتحديات القائمة.