استقالة

نص سردي قصير

عدنان طعمة

استقالة

نص سردي قصير

قدمت استقالتي في الصباح، لا إلى مدير ولا إلى مؤسسة ، بل إلى واقع عاطل كمروحة عاطلة . كتبتها قرب حبيبة افتقدها بلا ورق، ووقعتها برجفة خفيفة في القلب، تلك الرجفة التي تسبق القرارات التي لا عودة منها.

كان الواقع يجلس قبالتي كموظف قديم، وجه متعب بعينين غائرتين وجلد مشدود على العظم ، أوراق مكدسة يحتوي بعضها على أجوبة جاهزة لكل سؤال. قال لي إن الحياة هكذا تشبه حمير القرى المروضة، وإن الاعتراض ترف يشبه احيانا من يقايض كرامته بلقمة مؤجلة، وإن النجاة في التكيف حتى لو كان مسخا يشبه خيانة بطيئة. ابتسمت له كما يبتسم المحكوم قبل النطق بالحكم فتصبح قسما الوجه نحو جسرا هشا، ثم نهضت.

لم أكن أبحث عن خلاص مريح فالنجاة يشبه خيانة قصيرة كما قلت. وأن الإنسان لا ينقذ، بل يختبر او قد يشعر بوهم الانقاذ. وأن القيمة ليست في الوصول، بل في الصعود وهو يعلم أن القمة قد لا تكون موجودة.

خرجت إلى الشارع. الناس يمشون بخطى محسوبة وكأنهم يحملون أعمارهم في حقائب صغيرة، ويخافون أن تتسرب منهم فكرة قد تكون لعينة أو قابلة للأختبار. شعرت حينها أنني غريب، لكن الغربة هذه المرة لم تكن نقصا، كانت زيادة مؤلمة في الوعي.

قلت لنفسي، لن أكون صالحا، ولا مطمئنا، ولا منسجما. سأكون قلقا فحسب. والقلق حين يؤخذ إلى آخره، يتحول إلى معركة.

منذ تلك اللحظة، لم أعد أنتمي إلى الواقع، ولا إلى الوهم. صرت أنتمي إلى الطريق بينهما، طريق وعر، بلا إشارات، لكنه الطريق الوحيد الذي يسمح للإنسان أن يمشي واقفا، حتى وهو ينزف.

هذه كانت استقالتي.

ولم أندم.