رياض سعد
وكما عوّدتكم، وضمن سلسلة «مقولة وتعليق»، فإنني لا أقتصر على مقولات المشاهير والعلماء والأدباء والفلاسفة فحسب، بل قد أتناول بالشرح والتعليق أبياتًا لهذا الشاعر أو ذاك… واليوم نسلّط الأضواء على أبيات شعرية للشاعر الكبير أبي فراس الحمداني، تناول فيها شؤون الصداقة والإخلاء، وركّز على قيم الوفاء وحسن الظن بالصديق، وما إلى ذلك… إذ أنشد قائلًا:
وَلَمّا تَخَيَّرتِ الأَخِلّاءَ لَم أَجِد *** صَبوراً عَلى حِفظِ المَوَدَّةِ وَالعَهدِ
سَليماً عَلى طَيِّ الزَمانِ وَنَشرِهِ *** أَميناً عَلى النَجوى صَحيحاً عَلى البُعدِ
وَلَمّا أَساءَ الظَنَّ بي مَن جَعَلتُهُ *** وَإِيّايَ مِثلَ الكَفِّ نيطَت إِلى الزِندِ
حَمَلتُ عَلى ضَنّي بِهِ سوءَ ظَنِّهِ *** وَأَيقَنتُ أَنّي بِالوَفا أُمَّةٌ وَحدي
وَأَنّي عَلى الحالَينِ في العَتبِ وَالرِضى *** مُقيمٌ عَلى ما كانَ يَعرِفُ مَن وُدّي
***مقدمة: الشاعر في محنة الوجود بين الولاء والغدر
تتجسد تجربة الشاعر أبي فراس الحمداني في الأسر والمعاناة في هذه الأبيات التي تُعد نافذة على أعماق النفس البشرية في مواجهة اختبارات الصداقة والوفاء… ؛ أبو فراس، هو الحارث بن سعيد بن حمدان، أحد أبرز شعراء العصر العباسي وفرسان بني حمدان… ؛ اذ عاش حياة حافلة بالتحديات، حيث قُتل والده وهو صغير، ونشأ في بلاط سيف الدولة الحمداني، ثم تعرض للأسر مرتين لدى الروم… ؛ و هذه التجارب القاسية، خاصة شعوره بالإهمال من أقرب الناس إليه (مثل ابن عمه سيف الدولة الذي لم يبادر لافتدائه بسرعة)، تركت آثاراً عميقة على نفسيته وشعره، وجعلت موضوع الوفاء والغدر محورياً في تجربته الشعرية والإنسانية.
***التحليل المفصّل للأبيات: بنية الحزن وتشريح الخيبة
1. البيت الأول: البحث عن الصبر في عالم متقلب
“ولما تخيرت الأخلاء لم أجد *** صبورا على حفظ المودة والعهد”
يبدأ الشاعر بالحديث عن عملية انتقاء واختبار (“تخيرت”)، مما يدل على حرصه ووعيه في اختيار أصدقائه… ؛ لكن النتيجة كانت مخيبة: لم يجد ذلك الصديق الصبور الذي يثبت على العهد والمودة… ؛ فاستخدام كلمة “الصبور” هنا يحمل دلالة خاصة، فالوفاء في نظر الشاعر ليس مجرد عاطفة لحظة، بل هو ثبات وصبر على استمرارية الود رغم تقلبات الزمن والظروف… ؛ و هذه البداية تضعنا مباشرة في جو القصيدة: الندرة والافتقار إلى الوفاء الحقيقي.
لا يبدأ أبو فراس شكواه من خيانة عابرة، بل من فعلٍ واعٍ: التخيّر... . اذ يخبرنا عن تجربة انسانية موجعة ؛ وكأن الشاعر يريد أن يبرّئ نفسه قبل أن يدين الآخرين؛ فهو لم يمنح ثقته عشوائيًا، بل اختبر واصطفى، ومع ذلك كانت النتيجة واحدة: خيبة كما اسلفنا … ؛ فبعد أن اختبر أصدقاءه وانتقاهم، لم يجد فيهم من يصبر على حفظ الود، ولا من يثبت على العهد عند الشدائد... ؛ هنا يظهر خيبة الأمل من الصداقة حين تُمحَّص.
من الناحية النفسية، نحن أمام ذاتٍ جرّبت الناس لا لتدينهم، بل لتفهم حدودهم… ؛ ومن الناحية الاجتماعية، يضعنا البيت أمام حقيقة مؤلمة: الصداقة لا تنهار بسبب غياب الود، بل بسبب غياب الصبر على حفظه.
2. البيت الثاني: مواصفات الصديق المفقود
“سليما على طي الزمان ونشره *** أمينا على النجوى صحيحا على البعد”
يستمر الشاعر في تفصيل صفات الصديق المثالي الذي لم يجده:
• سليم القلب في السراء والضراء (“طي الزمان ونشره”)، أي في أوقات الشدة (طي الزمان) وأوقات السعة (نشره)... ؛ اي لا تغيّره الأيام ولا تقلّبه الظروف .
• أمين على الأسرار (“على النجوى وحفظ السر “).
• ثابت المشاعر حتى مع التباعد المكاني (“صحيحا على البعد”).
هذا البيت يُظهر أن الشاعر لا يبحث عن مجرف رفيق، بل عن رفيق روحي وأخلاقي تتجلى قيمته في أصعب الظروف… ؛ و التركيب البلاغي هنا يعتمد على التوازي والتكرار (“سليما… أمينا… صحيحا”) مما يعطي إيقاعاً حزيناً يؤكد تكرار خيبة الأمل… ؛ هنا لا يصف أبو فراس أصدقاءه، بل يكتب بيانًا أخلاقيًا للصداقة… ؛ فالزمن في هذا البيت ليس مجرد وقت، بل اختبار، والبعد ليس مسافة، بل امتحان نيات.
انها صفات مثالية تُبرز نُبل مفهوم الصداقة عند أبي فراس، وفي الوقت نفسه تُظهر ندرتها.
اجتماعيًا، يفضح الشاعر هشاشة العلاقات التي تعيش على القرب فقط، ونفسيًا يكشف توق الإنسان إلى من يظل ثابتًا حين تتغير الظروف… ؛ إننا لا نبحث عن كثرة الرفاق، بل عن سلامتهم من التحوّل.
3. البيت الثالث: صدمة الخيانة من المقربين
“ولما أساء الظن بي من جعلته *** وإياي مثل الكف نيطت إلى الزند”
هنا ينتقل الشاعر من الحديث العام عن ندرة الوفاء إلى تجربة شخصية مؤلمة… ؛ “من جعلته” تشير إلى شخص كان مقرباً جداً، بلغت العلاقة به درجة عالية من التوحد والتعاون، كما يتضح من التشبيه البليغ: “مثل الكف نيطت إلى الزند”… ؛ هذا التشبيه يستمد قوته من الصورة العضوية؛ فاليد (الكف) لا يمكن أن تعمل بفعالية أو تحقق هدفاً بدون اتصالها العضوي بالذراع (الزند)… ,و تشبيه الكف بالزند ليس زخرفة بلاغية، بل اعتراف بعمق العلاقة ؛ فالصديق في نظر الشاعر كان بهذه الدرجة من الأهمية والترابط، مما يجعل خيانته أو سوء ظنه أقسى وأعمق أثراً… ؛ فالشخص الذي أساء الظن به هو أقرب الناس إليه … ؛ يتحوّل الألم إلى جرح أعمق … ؛ فالخيانة هنا ليست من عابر، بل من أشد الناس قربًا.
نعم , الخذلان الحقيقي لا يأتي من البعيد، بل من القريب الذي منحته صورة الجسد الواحد.
من الناحية النفسية، هذا البيت يصف صدمة الانكسار الداخلي؛ حين يتحول الأمان إلى شك، واليقين إلى اتهام… ؛ وهنا تبلغ الخيانة ذروتها، لأنها لم تكن متوقعة، ولا مبررة.
4. البيتان الرابع والخامس: الوفاء كقرار وجودي
“حملت على ضني به سوء ظنه *** وأيقنت إني بالوفا أمة وحدي”
هنا يصل الشاعر إلى ذروة التأزم العاطفي والفكري… ؛ “حملت على ضني به” تعني أن سوء ظن الصديق زاد من معاناة الشاعر وأتعابه (“الضنى”)… ؛ لكن الاستجابة لم تكن انتقامية أو مشابهة، بل كانت تصميم داخلي عميق: “أيقنت إني بالوفا أمة وحدي”... ؛ وهذا التعبير من أعمق ما في القصيدة؛ فكلمة “أمة” هنا لا تعني الأمة بالمفهوم السياسي، بل تعني المذهب أو الطريقة أو النموذج الفريد… ؛ أن تكون «أمّة وحدك» يعني أن تتحول الأخلاق من سلوك شائع إلى موقف فردي شاق … ؛ فالشاعر يشير إلى أنه أصبح مدرسة وفاء منفردة، نموذجاً نادراً في زمن قل فيه الوفاء… ؛ و هذه لحظة تحول من حالة الإحباط إلى حالة الوعي بالذات وقيمها المتميزة.
نعم , هذا البيت هو قلب النص... ؛ أبو فراس لا يرد الإساءة بمثلها، بل يتحملها، لا ضعفًا بل سموًا , كما اسلفنا … ؛
نفسيًا، نحن أمام شخصية عالية الحس الأخلاقي، ترى في الوفاء قيمة لا صفقة… ؛ واجتماعيًا، يعلن الشاعر عزلته لا لأنه وحيد، بل لأن القيم التي يحملها لم تعد جماعية.
فبدل أن يردّ الإساءة بالإساءة، تحمّل الشاعر شكّ صديقه وصبر عليه ،حتى وصل إلى قناعة مُرّة: أنه وحده من بقي وفيًّا في عالمٍ تخلّى عن الوفاء... ؛و هذا بيت شديد القوّة، يُجسّد وحدة الأخلاقي في زمن الانكسار , كما اسلفنا .
البيت الخامس والاخير :
“وأني على الحالين في العتب والرضا *** مقيم على ماكان يعرف من ودي”
يختم الشاعر بتأكيد ثباته المبدئي… ؛ سواء كان الصديق معاتباً (“العتب”) أو راضياً (“الرضا”)، سواء أساء الظن أو أحسن، يظل الشاعر متمسكاً بعهد الود كما عرفه الطرف الآخر سابقاً… ؛ و هذا القرار الأخير يحمل بعداً أخلاقياً وفلسفياً: الوفاء عند الشاعر ليس صفقة تبادلية، ولا رد فعل لمعاملة الآخر، بل هو خيار شخصي ثابت، جزء من هويته وقيمه التي لا تتغير بتغير معاملة الآخرين.
نعم , يختم أبو فراس نصه بإعلان موقف أخلاقي ثابت : لا انتقام، لا قطيعة أخلاقية، لا تلوّن... .
هذا الثبات النفسي يعبّر عن نضج داخلي، وعن وعي اجتماعي يرى أن القيم لا تُقايَس بردود أفعال الآخرين... ؛ فالوفاء هنا ليس شعورًا ولا ردة فعل ، بل هوية وقيمة ذاتية .
***النقد الأدبي والتحليل الفني: تشريح البنية الشعرية
1. البناء الدرامي والتدرج العاطفي
تتبع القصيدة بناءً درامياً متسلسلاً يبدأ بالملاحظة العامة (“لم أجد”) ثم التجربة الشخصية (“أساء الظن بي”)، وينتهي بالقرار الوجودي (“أيقنت إني…”). هذا التسلسل يحاكي رحلة الشاعر النفسية من الدهشة إلى الألم فالإدراك فالتصميم.
2. الخصائص الأسلوبية والبلاغية
• التشبيهات العضوية: مثل “الكف نيطت إلى الزند” الذي يعبر عن الترابط المصيري والاعتماد المتبادل.
• المفارقة: تتجلى في المفارقة بين سلوك الأصدقاء المتغير وثبات الشاعر، وبين القرب الجغرافي أو العاطفي السابق والتباعد الأخلاقي الحالي.
• الترادف والتضاد: استخدام “العتب والرضا” و”طي الزمان ونشره” يعكس ثنائيات الوجود وتقلبات العلاقات.
• الإيقاع الداخلي: الوزن العروضي (الطويل) مع التقسيم المنطقي للبيئات يعطي إيقاعاً متأنياً وحزيناً يناسب موضوع التأمل والوجدان.
3. الشخصية الشعرية وهوية الوفاء
الشخصية الشعرية هنا تظهر متناقضة مع محيطها؛ فهي في زمن “قل فيه الصبر على المودة” ترفع شعار الوفاء كاختيار وجودي… ؛ و هذه الشخصية لا تنتظر المكافأة ولا تتأثر بسلوك الآخر، بل تحول الوفاء إلى هوية ثابتة… ؛ و هذا الموقف يذكرنا بما قاله أبو فراس في موضع آخر: أَسِرتُ وَما صَحبي بِعُزلٍ لَدى الوَغى *** وَلا فَرَسي مُهرٌ وَلا رَبُّهُ غَمرُ
وَلَكِن إِذا حُمَّ القَضاءُ عَلى اِمرِئٍ *** فَلَيسَ لَهُ بَرٌّ يَقيهِ وَلا بَحرُ
مما يؤكد أن تجربته مع الخذلان كانت متكررة ومؤثرة في فلسفته.
***ظاهرة خيانة الأصدقاء في مرآة الشعر: رؤية نقدية
1. الخيانة كظاهرة إنسانية متكررة
ما يعبر عنه أبو فراس ليس مجرد حادثة شخصية، بل ظاهرة إنسانية متكررة عبر التاريخ… ؛ و الأدب العربي مليء بنماذج من الخذلان، لكن تميز أبي فراس في تحويل التجربة الشخصية إلى تأمل وجودي… ؛ فخيانة الأصدقاء هنا لا تنبع فقط من ضعف أخلاقي، بل من عدم قدرة البشر عموماً على الصبر على الالتزام الأخلاقي في ظل تقلبات المصالح والظروف.
2. العوامل التاريخية والاجتماعية
حياة أبي فراس في بلاط بني حمدان مع صراعاتهم السياسية الداخلية (مقتل والده على يد ابن عمه)، ثم علاقته المعقدة بسيف الدولة (ابن عمه الذي رباه ثم أهمل فداءه)، ثم تجربة الأسر الطويلة – كلها عوامل غذت لديه حساسية مفرطة تجاه مسألة الوفاء والغدر… ؛ و المجتمع الحمداني كان مجتمع فروسية وولاء قبلي، مما يجعل أي خروج على هذه القيم مفجعاً بشكل خاص.
3. مقارنة مع الموقف من الخيانة في التراث الأدبي
يختلف موقف أبي فراس عن الموقف الساخر أو الهجائي من الخيانة الذي نجده عند بعض الشعراء… ؛ هو لا يسخر من الأصدقاء ولا يهجوهم بقسوة، بل يحول التجربة إلى درس أخلاقي وجودي… ؛ و هذا التوجه الأخلاقي هو ما يميز “الروميات” عموماً (أشعاره في الأسر)، حيث يتحول المعاناة الشخصية إلى تأمل في القيم الإنسانية الأساسية.
4. الوفاء كاختيار فردي في عالم متغير
الرد الفريد لأبي فراس على الخيانة يكمن في عدم تبني منطق المعاملة بالمثل… ؛ فبدلاً من أن يقول: “إذا خانوني خنتهم”، يقول: “أنا أمة في الوفاء وحدي”… ؛ و هذا تحول من النموذج التفاعلي إلى النموذج القيمي… ؛ فالوفاء عنده يصبح فضيلة مستقلة عن سلوك الآخر، وهو موقف فلسفي عميق نادر في الشعر العربي الذي غالباً ما يتبع منطق “اليد باليد والسن بالسن والبادئ أظلم “.
***الخاتمة: الدروس المستفادة من نص خالد
قصيدة أبي فراس الحمداني هذه ليست مجرد تعبير عن ألم شخصي، بل هي وثيقة إنسانية عن اختبار القيم في أقسى الظروف…؛ فالنص نابع من تجربة صادقة، لا تكلّف فيها ولا تصنّع … ؛ والشاعر الذي عاش الغدر من أقرب الناس (من قتل والده، ومن أهمل فداءه)، يستخرج من هذه التجارب المرة فلسفة للوجود تقوم على الثبات على المبدأ رغم خيانة الآخرين.
ان ابياته يتسلّط النص الضوء على حقيقة إنسانية خالدة: كثيرون يدّعون الصداقة في الرخاء … ؛ ولكن القليل فقط يصمد عند الامتحان … .
أبو فراس لا يُنكر وجود الوفاء، لكنه يجعله استثناءً نادرًا … ؛ ويُقدّم نفسه نموذجًا للصديق الذي:لا يتغيّر بالشك … ؛ ولا ينكسر بالإساءة … ؛ ولا يساوم على القيم … ؛ وهذا ما يجعل النص معاصرًا رغم قدمه؛ لأن خيانة الأصدقاء ما زالت من أعمق خيبات الإنسان.
ما تقدمه هذه الأبيات للقارئ المعاصر هو تذكير بأن القيم الأصيلة مثل الوفاء لا تقاس بمدى التزام الآخرين بها، بل بمدى تمسكنا نحن بها كجزء من هويتنا… ؛ و في عالم اليوم السريع والمتغير، حيث أصبحت العلاقات أكثر استهلاكية وظرفية، يظل صوت أبي فراس الحمداني ينادي: الوفاء ليس رد فعل، بل هو هوية واختيار وجودي.
هذا الموقف الأخلاقي الرفيع هو ما جعل أبا فراس، رغم طغيان صيت المتنبي في عصره، يحتفظ بمكانة خاصة في تاريخ الأدب العربي كـ”شاعر كامل” كما وصفه الصاحب ابن عباد: “بدئ الشعر بملك، وختم بملك”…؛ قصيدتنا هذه تثبت أن العظمة الأدبية لا تقاس بالشهرة وحدها، بل بالقدرة على تحويل المعاناة الشخصية إلى حكمة إنسانية خالدة.