بقلم: حسين شكران العقيلي
١٣ اذار ٢٠٢٦
يقول الإمام الرضا (عليه السلام): (إنَّ للقلوب إقبالاً وإدباراً ونشاطاً وفتوراً، فإذا أقبلت بصِرت وفهمت، وإذا أدبرت كلّت وملّت، فخذوها عند إقبالها ونشاطها، واتركوها عند إدبارها وفتورها) .
بهذا النداء الوجداني العميق، يفتح الإمام الرضا (عليه السلام) باباً واسعاً من أبواب علم النفس التربوي الذي سبق عصره بقرون، واضعاً يده على جوهر المحرك البشري وهو (القلب) .
فليس القلب في المنظور المعرفي مجرد مضخة للمشاعر العابرة، بل هو رادار الوعي وأداة الإدراك الكبرى التي إن فُتحت أبوابها استقبلت حقائق الوجود بنور البصيرة، وإن أُغلقت تاهت في متاهات الكلل والملل. ومن هنا، تبرز الحاجة الماسة لفهم فلسفة (الإقبال والإدبار) كاستراتيجية وجودية لإدارة الذات، وحمايتها من التآكل تحت وطأة الإكراه أو الاستنزاف الروحي والمادي الذي تفرضه إيقاعات الحياة المعاصرة.
إن المتأمل في طبيعة النفس البشرية يدرك أنها ليست آلة صلبة تعمل بنسق واحد وتيرة مستمرة، بل هي كائن حي يخضع لدورات طبيعية من الصعود والهبوط. فحين يتحدث الإمام عن (الإقبال) ، فهو يصف تلك الحالة من الانشراح والتدفق الذهني التي تجعل العقل (يُبصر ويفهم) بعمق لا يتحقق في الظروف العادية؛ ففي لحظة الإقبال، تذوب الحواجز بين الذات والمعرفة، ويصبح الفعل الإنساني—سواء كان فكراً أو عبادة أو عملاً—منسجماً مع الفطرة. وفي المقابل، يأتي (الإدبار( كإشارة تحذيرية من النفس بأن مخزون الطاقة قد نضب، وأن الاستمرار في الضغط عليها لن يؤدي إلا إلى (الكلل) ، وهو التعب الذي يتبعه (الملل) ؛ تلك الحالة القاتلة للإبداع التي تجعل الإنسان ينفر حتى مما كان يحب.
وهنا يلتقي فكر الإمام الرضا بمداد جده الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في وصيته الخالدة: (لا تُكرهوا إلى أنفسكم العبادة) . إن هذا التحذير من الإكراه يمثل قمة الوعي بالصحة النفسية والتربوية، فكل فعل يُمارس تحت سياط الإجبار يولد رد فعل عكسي في أعماق النفس، مما يحول الطموحات إلى قيود ثقيلة يسعى الإنسان للتخلص منها عند أول فرصة. إن المنهج الصادقي يعلمنا أن القليل الذي يُؤدّى بنشاط وإقبال خيرٌ من الكثير الذي يُؤدى بتكلف وفتور، لأن القيمة ليست في التراكم الكمي المحض، بل في الأثر النوعي الذي يتركه الفعل في صقل الشخصية وتعميق الوعي المؤسسي والمجتمعي.
إن تطبيق هذه القاعدة في حياتنا، سواء في البحث الأكاديمي الرصين أو في ممارساتنا اليومية، يتطلب منا شجاعة في (التوقف الذكي) حين تدبر القلوب. فالإصرار على مواصلة الجهد والنفس في حالة فتور هو نوع من الاستنزاف البطيء للملكات الذهنية، بينما (الترك) عند الإدبار ليس دعوة للتراخي، بل هو استراحة المحارب لإعادة شحن البطاريات الروحية. وبمجرد أن يلوح فجر “النشاط” مجدداً، تعود النفس أكثر قدرة على العطاء وأسرع في الفهم والتحصيل. إن الموازنة بين الإقبال والإدبار هي فن الممكن في رحلة الإنسان نحو الكمال، وهي دعوة للتصالح مع ذواتنا وفهم إيقاعنا الداخلي، فمن استطاع أن يقتنص لحظات نشاط قلبه، اختصر سنوات من التخبط في ساعات من التجلي، ليبقى سائراً في درب الحقيقة بخطى ثابتة لا تعرف الانكسار
فلسفة الإقبال والإدبار (دستور الروح في مدرسة أهل البيت)