من سدوم إلى إبستين: عورات الحضارة وتكرار سنن السقوط.
عدنان عبدالله الجنيد.
تشهد البشرية عبر تاريخها الطويل صراعاً متجدداً بين تيارين: تيار يُفسِد في الأرض ويُهلك الحرث والنسل، وتيارٌ يتطهَّر ويتمسك بفطرة الله القويمة. وليست قصة قوم لوط في سدوم سوى النموذج الأبرز لهذا الصراع، حيث تجمَّع الشر في “قرية” وأسس لمنظومة فاحشة ترفض الفطرة وتنكر الطهر. لكن عجلة التاريخ لا تتوقف، واليوم، تطلُّ علينا “وثائق إبستين” لتكشف عن “سدوم العصر الحديث”، ليس في قرية صغيرة، بل في قلب الحضارة التي تدَّعي القيادة الأخلاقية للعالم.
إنها تكشف عن نفس الخيوط الفاسدة، ونفس منطق الاستكبار، ولكن بأدوات العولمة والنفوذ المالي والسياسي.
تشير أحدث البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة العدل الأمريكية إلى أن الكشف الذي أُطلق عليه “وثائق إبستين” هو زلزال مؤسسي هائل.
فقد تم الإفراج عن أكثر من 3.5 مليون صفحة من الوثائق، تتضمن 18,000 رسالة بريد إلكتروني شخصية، ونحو 180,000 صورة، و2,000 مقطع فيديو، مسحوبة من أرشيف بياناتي خام يُقدّر بـ 300 جيجابايت – كل هذا استدعى جهود أكثر من 400 محامٍ و 100 عميل فيدرالي لمراجعته.
هذه الأرقام الفلكية ليست مجرد بيانات، بل هي شاهد إدانة مادي ضخم على انتكاس حضاري.
انتكاس الفطرة: الخطيئة الواحدة في زمنين:
حين نقرأ وثائق إبستين، نحن لا نقرأ مجرد محاضر تحقيق، بل نقرأ نسخة عصرية متطورة من “سدوم”.
التشابه مذهل في الجوهر: منظومة الإفساد.
قوم لوط لم يكتفوا بالخطيئة الفردية، بل جعلوها “منظومة اجتماعية” يُحارب من يخرج عنها، كما في قوله تعالى: {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ}.
وفي وثائق إبستين، نجد “نخبة عالمية” صاغت لنفسها ديناً من الشهوات، واستباحت القاصرات والأطفال في “جزر معزولة” مثل “ليتل سانت جيمس”، والتي كانت بمثابة نوادي قوم لوط السرية العصرية، بعيدة عن الرقابة ومكرسة للمنكر.
والمفارقة الأكثر إثارة للاشمئزاز أن هذه المنظومة الفاسدة لم تستثنِ أعلى مراكز القيادة السياسية في ذلك العالم. ففي قلب هذه الوثائق، تبرز واحدة من أكثر الاتهامات فظاعة: اتهام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه بالضلوع في اغتصاب طفلة.
هذه ليست مزاعم هامشية، بل هي اتهامات وردت في إفادات خطية وُثقت في المحاكم، حيث زعمت إحدى الضحايا، المعروفة باسم “كيتي” في الوثائق القضائية، أن ترامب اغتصبها وهي في سن الثالثة عشرة في حفلات نظمها إبستين في نيويورك في تسعينيات القرن الماضي.
وهنا يبلغ الانتكاس الأخلاقي ذروته: حيث يتحول من يتربع على قمة الهرم السياسي في “العالم الحر”، والمتصدر للمشهد الإعلامي العالمي، إلى متهم في قضية اغتصاب قاصر، في تكرار صارخ لفساد “ملوك” سدوم الذين كانوا في قمة مجتمعهم وهم يرتكبون المنكر.
وثائق إبستين: الاختبار الأصعب لمصداقية السردية الغربية حول حقوق الإنسان:
(وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) [سورة البقرة: ٢٠٥].
هذا الفساد المنظم يمثل اختباراً وجودياً للمواثيق الغربية. لقد كشفت الوثائق كيف أن المواثيق الدولية “حقوق الطفل” و”كرامة المرأة”، التي يرفعها الغرب كشعارات للتدخل في شؤون الآخرين، تُطبق فقط على “الضعفاء”.
أما حين يتعلق الأمر بالنخبة الحاكمة والمليارديرات الذين يحكمون العالم، فإن هذه الحقوق تُذبح على عتبات الطائرات الخاصة (لوليتا إكسبريس) والجزر المشبوهة.
إنها ازدواجية صارخة: ففي الوقت الذي تُستخدم فيه حقوق الطفل للضغط على دول العالم، كانت طائرة خاصة تنقل قاصرات لمتعة أركان النظام نفسه، مما يكشف أن منظومة الحقوق في قلب “الحضارة الغربية” هي في أحسن الأحوال انتقائية، وفي أسوئها غطاء قانوني للجريمة المنظمة ذات النفوذ.
الحرب الناعمة: الإفساد الأخلاقي كسلاح للسيطرة على العقول والأجيال
:
إذا كانت “سدوم إبستين” تمثل القمة الفاحشة للمنظومة، فإن “الحرب الناعمة” هي آلية التبشير والإخضاع الجماعي لهذا النموذج الفاسد.
إنها محاولة منهجية، كما يحللها قادة المشروع القرآني، “لقتل الضمير الإنساني” عبر غزو الثقافة والقيم. فبينما تنشغل النخبة في جزرها السرية، تتحرك آلة إعلامية وترفيهية ضخمة لتطبيع الرذيلة وتشويه مفهوم العفة والطهر، وجعل التمسك بالفطرة أمراً “غريباً” أو “متطرفاً”.
هدفها خلق مجتمعات مستهلكة ومنفصلة عن هويتها، يسهل قيادتها وقبولها بفساد قادتها.
إن الحرب الناعمة هي التمهيد الثقافي لقبول سدومية العصر، وضمان عدم استياء الشعوب عندما تُكشف فضائح “أسيادهم”.
القتل بوصفة مزدوجة: بين اغتصاب البراءة في السر وإبادة الطفولة في العلن:
الوجه الآخر لعملة الفساد السدومي هو القتل.
فمنطق الاستكبار الذي يستبيح الأجساد في السراديب، هو نفسه الذي يستبيح الأرواح فوق الأرض. لقد كشفت وثائق إبستين عن منظومة لـ “قتل الطفولة” معنوياً وجسدياً في الجزر السرية.
وهذا القتل هو توأم للقتل المادي الجماعي الذي تمارسه الآلة العسكرية الغربية والصهيونية في غزة واليمن.
نفس العقلية التي ترى في القاصر سلعة للمتعة، ترى في أطفال غزة وصنعاء أرقاماً يمكن محوها.
كلاهما ينبع من احتقار عميق للإنسانية وللحرمات، ويُظهر أن ازدواجية المعايير ليست في الشعارات فحسب، بل في أبشع الممارسات: حماية المغتصبين في الداخل، وتمويل وإدارة المجازر في الخارج.
خيط الموساد في نسيج الفضيحة: الابتزاز كأداة للهيمنة الصهيونية
تظهر تحليلات استخباراتية عديدة وشهادات (كشهادة الضابط السابق آري بن مناشي) أن شبكة إبستين-ماكسويل كانت أداة متطورة للموساد الإسرائيلي. فلم تكن جزيرة الموتى مجرد “منتجع فاحش”، بل كانت “مصنعاً للمواد المبتزة” (Kompromat) ضد شخصيات سياسية ومالية وعلمية عالمية.
الهدف واضح: ضمان ولاء صناع القرار في الغرب للمشروع الصهيوني، عن طريق خوفهم من فضح فسادهم.
هذه الآلية تكشف البُعد الجيوسياسي الأعمق للفضيحة: إن الإفساد الأخلاقي المنظم كان سلاحاً استخباراتياً استُخدم في معركة “العلو الكبير” التي ذكرها القرآن عن بني إسرائيل: {وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا}.
إنه توظيف للرذيلة لتحقيق الهيمنة السياسية.
فلسفة الصراع: {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} – الحرب على الفطرة:
لقد لخص القرآن جوهر الصراع في قوله على لسان قوم لوط: {أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتطَهَّرُونَ}. هذا المنطق السدومي – حيث يصبح التطهر جريمة تستوجب الإقصاء والإبادة – هو الناظم الخفي للعديد من صراعات عصرنا.
إنه ليس مجرد رفض للآخر، بل حرب وجودية على كل من يرفض الانصهار في منظومة القيم المنحرفة ويتمسك بفطرته.
وتتجلَّى هذه الحرب في ساحات ثلاث بارزة:
· حرب الإبادة على المتطهرين في إيران: منذ انتصار الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني (قدس الله سره)، التي أعلنت التحرر من هيمنة “الشيطان الأكبر” ورفضت منطق التبعية والفساد، تعرَّضت لإبادة جماعية في حرب فرضها النظام العالمي (بقيادة صدام) طيلة ثماني سنوات، تلاحقها حتى اليوم بحصار خانق في كل المجالات: اقتصادي، علمي، طبي، ودبلوماسي.
· حرب الإبادة على المتطهرين في اليمن (شعب الإيمان والحكمة): منذ أن أعلن شعب اليمن تمسكه بخياراته الحرة ورفضه الانصياع للأجندة الاستعمارية والصهيونية، لوجود مشروع ثوري نهضوي تحرري يقوده سماحة العلم الإلهي السيد عبدالملك الحوثي يحفظه الله ،تعرَّض لحرب إبادة شاملة بقيادة قرن الشيطان ( آل سعود ونهيان ) ،بدعم غربي وصهيوني مباشر، استمرت قرابة عقد، وحصار جائر يحرم الشعب من أبسط مقومات الحياة، لأنه ببساطة شعب {يَتَطَهَّرُونَ} ويقول “لا” للفساد والهيمنة.
· حرب الإبادة على المتطهرين في غزة: هنا تبلغ فلسفة الصراع ذروتها. فغزة التي ترفع راية المقاومة وتتمسك بحقها في أرضها وكرامتها، تتعرض لأبشع أشكال الإبادة الممنهجة والحصار الخانق منذ سنوات، وتواصل آلة القتل الصهيونية المجزرة تلو الأخرى لأن أهلها يرفضون الخنوع والتطبيع مع المحتل.
كل خرق للهدنة هو تأكيد أن السلام غير ممكن مع من يرى في التطهر تهديداً وجودياً.
كل هذه الحروب والحصارات، باختلاف تفاصيلها، تشترك في جذر واحد: هي عقاب جماعي لأن هذه الشعوب اختارت أن تكون {أُنَاسًا يَتَطَهَّرُونَ}، ورفضت أن تكون جزءاً من “نادي” الفساد السدومي العالمي الذي تمثله وثائق إبستين وأسيادها.
سُنّة النصر: كيف يُهزم الطغاة؟ وكيف ينتصر المتطهرون؟
سنة الله ثابتة: النصر للمتقين، والخزي للمفسدين.
· نصر الفضيحة والبيان: كما أرسل الله ملائكته ليبلِّغوا لوطاً ويهلكوا القوم، فإن خروج ملايين وثائق إبستين هو “بلاء” و”فضيحة” عصرية، شكلت خسفاً معنوياً جعل عالي تلك النخب سافلها.
إنه نصر للحق يُظهر بواطن الأمور، ويكشف الخبيء من القلوب، فالحجة بالغة والبيان ساطع:
نصر الصمود: انتصار إيران في محنتها الطويلة، وثبات اليمن كالجبل الأشم تحت وطأة الحرب والحصار، وصبر غزة كالصخرة في وجه الطوفان، هي جميعاً حلقات في سلسلة التمهيد للمعركة الفاصلة التي ستقلب موازين الظلم، تحقيقاً لسنة الله النافذة في نصرة المستضعفين المتقين. {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}.
الوعد الإلهي: {أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ}. فهذه الأحداث ليست فوضى عابرة، بل هي بشارات تتوالى بنهاية طور العلو الكبير للمفسدين، وزوال زعامة من جعلوا من الفساد ديناً.
إلا أن نصر الله قريب.
فهذه سنة إلهية لا تتخلف: كما سقطت سدوم على يد نبي الله لوط عليه السلام والمؤمنين معه، ستسقط سدوم إبستين الحديثة – بكل أركانها وشبكاتها – على يد المتطهرين من أمته، الواقفين على ثغور الفطرة والإيمان.
الأيام القادمة ستكشف أن حجارة النقمة الإلهية، وإن تأخرت، فهي آتية لا محالة، لتجعل عالي هذه الصروح الفاسدة سافلها، وتُري العالم أن النصر في النهاية لمن حفظ عهد الفطرة، واستعصى على دعوة الفجور.
الخاتمة:
وثيقة إبستين، في حقيقتها النهائية، ليست مجرد فضيحة جنسية عابرة، بل هي “وثيقة سقوط حضاري” ومرآة كاشفة لعورات النظام العالمي الذي أدار ظهره لفطرة الله.
إنها تكشف أن الصراع الحقيقي في عصرنا هو بين سدومية جديدة عابرة للقارات، تُديرها نخب منحطة تختبئ وراء شعارات الحرية، وبين شعوب {يَتَطَهَّرُونَ} ترفض أن تنحني للأصنام الحديثة من مالٍ وسلطةٍ وشهوةٍ جامحة.
إن حصار طهران وصنعاء وغزة، ليس سوى الوجه الآخر لفساد جزيرة إبستين وطائراتها الخاصة؛ فهما وجهان لعملة واحدة سكتها “الشيطان الأكبر” في حربه الشاملة على الفطرة الإنسانية. فكما يريد إفساد الأجساد والأرواح في السراديب، يريد قتل الإرادات الحرة فوق الأرض.
وفي هذا المشهد المظلم، يتجلى نور الوعد الإلهي.
فسنة التاريخ القويم تؤكد أن كل حضارة استكبرت وبارزت الله بالفواحش، انتهت إلى مزبلة التاريخ. النصر في الميزان الإلهي لا يكون للأقوى جيشاً ولا للأغنى مالاً، بل لمن تمسك بعهد الله وفطرته، ورفض أن يكون عبداً لهوى الطغاة.