د. فاضل حسن شريف
تفسير الميسر: قوله تعالى “لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ” ﴿سبإ 15﴾ لَقَدْ: لَ لام التوكيد، قَدْ حرف تحقيق، كان فعل، لِسَبَإٍ: لِ حرف جر، سَبَإٍ اسم علم، مَسْكَنِهِمْ: مَسْكَنِ اسم، هِمْ ضمير، لِسَبَإٍ: قبيلة سبأ في اليمن – سبأ اسم رجل ولد له عشرة من الأولاد سكن اليمن منهم ستة وهم مذجح ، وكندة ، والأزد ، وحمير ، والآشعريّون ، وأنمار وهم (بجيلة وخثعم) وسكن الشام أربعة وهم (لخم وجذام وعاملة وغسان). لقد كان لقبيلة سبأ بـ “اليمن” في مسكنهم دلالة على قدرتنا: بستانان عن يمين وشمال، كلوا من رزق ربكم، واشكروا له نعمه عليكم؛ فإن بلدتكم كريمة التربة حسنة الهواء، وربكم غفور لكم. وتفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله تعالى “لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ” جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ” كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ” بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ” (سبإ 15) “لقد كان لسبأ” بالصرف وعدمه قبيلة سميت باسم جد لهم من العرب “في مسكنهم” باليمن “آية” دالة على قدرة الله تعالى “جنتان” بدل “عن يمين وشمال” من يمين واديهم وشماله وقيل لهم: “كلوا من رزق ربكم واشكروا له” على ما رزقكم من النعمة في أرض سبأ “بلدة طيبة” ليس فيها سباخ ولا بعوضة ولا ذبابة ولا برغوث ولا عقرب ولا حية ويمر الغريب فيها وفي ثيابه قمل فيموت لطيب هوائها “و” الله “رب غفور”.
جاء في كتاب تفسير التبيان للشيخ الطوسي: قوله تعالى “لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ” ﴿سبإ 15﴾ ثم اخبر تعالى فقال “لقد كان لسبأ في مسكنهم آية” ﴿سبإ 15﴾ أي دلالة وعلامة فـ (سبأ) قيل: إنه ابو عرب اليمن كلها، فقد تسمى به القبيلة نحو هذه تميم. فمن قرأ على التوحيد، فلأنه يدل على القليل والكثير. ومن جمع أراد المساكن المختلفة، والفرق بين فتح الكاف وبين كسرها في (مسكنهم) أن الفتح تفيد المصدر، والكسر تفيد الموضع، وقيل: إنهما لغتان في الموضع. والآيتان قيل: إنهم لم يكن بينهم شئ من هوام الأرض، نحو البق والبرغوث والعقرب وغير ذلك. وكان الغريب إذا دخل بلدهم وفي ثيابه قمل متن فهذه آية. والثانية أن المرأة كانت تأخذ على رأسها مكتلا فيمتلئ بالفواكه من غير أن تمس بيدها شيئاً، ثم فسر الآيتين فقال “جنتان” أي هي جنتان. “عن يمين وشمال” ﴿سبإ 15﴾ قيل: عن يمين الوادي وشماله. “كلوا من رزق ربكم” أي كلوا من رزق الله الذي رزقكم في هاتين الجنتين، فلفظه لفظ الأمر والمراد به الاباحة “واشكروا له” ﴿سبإ 15﴾ هذه النعمة التي انعم بها عليكم. ثم بين أن تلك الجنتين “بلدة طيبة” ﴿سبإ 15﴾ التربة. وقيل البلدة الطيبة صنعاء أرضها طيبة ليس فيها سبخة و “رب غفور”.
وعن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى “لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ” ﴿سبإ 15﴾ سبأ العرب العاربة باليمن سمّوا كما قيل باسم أبيهم سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وقوله: “عن يمين وشمال” أي عن يمين مسكنهم وشماله. وقوله: “كلوا من رزق ربكم” أمر بالأكل من جنتين وهو كناية عن رزقهم منهما، ثم بالشكر له على نعمته ورزقه، وقوله: “بلدة طيبة ورب غفور” أي بلدة ملائمة صالحة للمقام ورب كثير الغفران لا يؤاخذكم بسيئاتكم.
جاء في المرجع الألكتروني للمعلوماتية عن القرآن الكريم وعمارة البيئة والبناء فيها للشيخ خليل رزق: أشار القرآن الكريم إلى ظروف البيئة كعامل مؤثر في اختيار مواقع المدن ونلمح ذلك في قوله سبحانه وتعالى: “لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ” (سبأ 15). قال عبدالرحمن بن زيد (كما في تفسير القرطبي):(ان الآية التي كانت لأهل سبأ في مساكنهم انهم لا يروا فيها بعوضة قط ولا ذبابا ولا برغوثا ولا قملة ولا عقربا ولا غيرها من الخوام، واذا جاءهم الركب في ثيابهم القمل والدواب فاذا نظروا إلى بيوتها ماتت الدواب). فالآية الكريمة تلفت النظر إلى تأثير مواقع المدن والقرى واماكن السكن فيها من حيث المناخ الجيد والهواء الطيب وانتشار الجنات والحدائق بها مما يكون له اكبر الاثر على حياة ساكنيها وتمتعهم بالصحة والحياة الهانئة. كما تلفت احدى آيات القرآن الكريم النظر إلى اهمية دراسة المواقع واختيار افضل الاتجاهات بالنسبة للشمس والرياح حيث يقول سبحانه وتعالى: “وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا” (مريم 16). يقول الطبري في تفسير هذه الآية : (أي اتخذت مكانا من جانب الشرق وهو المكان الذي تشرق فيه الشمس، وانما خص المكان بالشرق لانهم كانوا يعظمون جهة المشرق من حيث تطلع الانوار ، وكانت الجهات الشرقية في كل شيء افضل من سواها). ولما كانت بلاد العرب شديدة الحرب وحاجتهم إلى الظل كثيرة، فقد اوضح الله سبحانه وتعالى ان الظلال احدى نعمه التي من بها على بني البشر حيث يقول سبحانه وتعالى: “وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ” (النحل 81). فالله سبحانه وتعالى قد خلق للبشر الاشجار التي توفر الظلال كما جعل من الجبال مواضع للسكن كالكهوف يلجأ اليها الانسان طلبا للظل والحماية، كما الهمهم اتخاذ الابنية حماية لهم من الحر والبرد وطلبا للظل، فمعنى الاكنان التي وردت في الآية، ومفردها (كن)، هو ما يرد الحر والبرد من الابنية والمساكن، وقد ادخل الله في معناها ايضا الجبال كأحد اشكال المأوى الطبيعية. واوضحت لنا احدى الآيات الكريمة اهمية توفير الظلال بالمأوى من خلال استعراض علاقة توجيه فتحة الكهف، بجبل الرقيم، الذي اوى اليه الذين وردت قصتهم في سورة الكهف بحركة الشمس حيث يقول سبحانه وتعالى: “وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا” (الكهف 17). واذا كانت الجنة تمثل في الرؤية الاسلامية البيئة المثالية ومنتهى امال المؤمنين الموحدين لله، فقد أشارت بعض الآيات التي وردت في وصف ما اعده الله لعباده الصالحين في الجنة من نعيم مقيم إلى وجود الظلال ايضا، وعدها الله سبحانه وتعالى من متع الجنة، حيث يقول المولى سبحانه وتعالى: “وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ *وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ” (الواقعة 27 -31). والشاهد في الآيات الكريمة هو وصف الظل بانه ممدود أي باق لا يزول ولا تنسخه الشمس، وهذا تنبيه من القرآن الكريم للمصممين على اهمية توفير الظلال في المنازل والمساكن. الى غيرها من الآيات الكريمة التي تضمنت تعاليم وارشادات في مجال البناء والاعمار