العراق… من دولة ذات سيادة إلى مكب نفايات مفتوح

إيهاب مقبل

لم يعد ما يحدث في العراق مجرد أزمات متفرقة أو اختلالات عابرة، بل أصبح نمطًا ثابتًا: كل ما لا تريده المنطقة، وكل ما تبحث القوى الكبرى عن مكان لتفريغه، يجد طريقه في النهاية إلى العراق. كأن هذا البلد جُرِّد من قيمته السياسية والتاريخية والإنسانية، وتحول إلى مساحة يُلقى فيها البشر الخطرون، والجماعات المسلحة، وبقايا الحروب، دون اعتبار لشعبه أو لمستقبله.

العراق اليوم لا يُعامَل كدولة ذات سيادة، بل كـ”مكب نفايات مفتوح”، تُنقل إليه الأزمات من الشرق والغرب، تحت غطاء الصمت الرسمي، أو العجز، أو التواطؤ.

نقل المجرمين والمسلحين… العراق كملاذ أخير
من أخطر ما يشهده العراق في السنوات الأخيرة هو نقل مقاتلي حزب العمال الكردستاني المجرمين من تركيا وسوريا إلى شمال العراق، واستقرارهم في مناطق حساسة، في ظل غياب سيطرة حقيقية للدولة. هؤلاء ليسوا لاجئين ولا مدنيين، بل عناصر مسلحة ذات سجل دموي، يستخدمون الأراضي العراقية كقاعدة خلفية لصراعاتهم، غير آبهين بالعواقب.

التهديد لا يتوقف عند الحدود الشمالية، بل يمتد ليشكّل خطرًا مستقبليًا مباشرًا على مدينتين استراتيجيتين هما كركوك والموصل، وهما ليستا مدينتين عاديتين، بل قلب الثروة النفطية والتوازن القومي في العراق. أي انفجار أمني فيهما لن يكون محليًا، بل كارثة وطنية شاملة.

وفي السياق نفسه، لا يمكن تجاهل انتقال عناصر “قسد” من سوريا إلى داخل الأراضي العراقية، سواء بشكل منظم أو متسلل، ما يفتح الباب أمام إعادة رسم خرائط نفوذ جديدة على حساب السيادة العراقية، ويحوّل العراق إلى امتداد للصراع السوري بدل أن يكون دولة مستقلة عنه.

داعش… يُهزم في مكان ويُعاد تدويره في العراق
الأكثر خطورة وإثارة للغضب هو ما يُتداول عن نقل معتقلي داعش إلى العراق، سواء عبر ترتيبات معلنة أو غير معلنة، بعد تضييق الخناق عليهم في ساحات أخرى. بدل أن يُغلق هذا الملف نهائيًا، يُعاد فتحه على الأرض العراقية، وكأن العراق هو المكان المناسب لتصفية الحسابات الأخيرة مع هذا التنظيم. هذه ليست صدفة، بل نتيجة دولة لم تفرض خطًا أحمر واضحًا يحمي شعبها من إعادة إنتاج الكارثة.

القوات الأمريكية… انتقال لا يعني انسحابًا
في الوقت الذي يُفترض فيه أن يشهد العراق استقرارًا أمنيًا تدريجيًا، يتم نقل القوات الأمريكية من سوريا إلى العراق، في خطوة تطرح أسئلة خطيرة: لماذا العراق؟ ولماذا دائمًا العراق؟ ولماذا يُنظر إليه باعتباره البديل الجاهز لكل انسحاب أو إعادة انتشار؟

هذا الانتقال لا يحدث في فراغ، بل يكرّس فكرة أن العراق ساحة عسكرية احتياطية، تُدار ضمن حسابات إقليمية ودولية لا يكون فيها القرار العراقي هو الأساس، بل مجرد تفصيل ثانوي.

المشكلة ليست “الآخرين” فقط… بل الدولة الغائبة
رغم كل ما سبق، فإن الحقيقة الأقسى هي أن الآخرين ما كانوا ليجرؤوا على كل ذلك لو لم تكن الدولة العراقية ضعيفة. الفساد، تفكك القرار، ازدواجية السلاح، غياب رؤية وطنية موحدة، كلها عوامل جعلت العراق بيئة مناسبة لكل هذه التحركات.

الدولة التي لا تحمي حدودها، ولا تفرض سيطرتها، ولا تمتلك قرارًا سياديًا مستقلًا، تتحول تلقائيًا إلى مساحة مستباحة. وهنا يفقد العراق قيمته كدولة، لا لأن شعبه بلا قيمة، بل لأن من يدير الدولة تخلّى عن مسؤولية حمايتها.

حين تفقد الدولة قيمتها… يُسحق الإنسان
أخطر نتائج هذا الانحدار لا تظهر فقط في الخرائط العسكرية، بل في حياة الناس. انعدام القيمة السياسية للدولة ينعكس مباشرة على حياة المواطن، وأمنه، ومستقبله. العراقي في الداخل يعيش تحت تهديد دائم، والعراقي في الخارج يحمل عبء الانتماء إلى دولة يُنظر إليها باعتبارها دولة مشاكل لا دولة حقوق.

هذه ليست أزمة جيل واحد، بل خطر يمتد إلى أجيال قادمة، إذا استمر العراق يُدار بهذه العقلية.

الخلاصة: العراق أصبحَ مكب نفايات
باختصار، تحوّل العراق إلى مكب نفايات شامل: مكب للصراعات الإقليمية، ومكب للتنظيمات الإرهابية، ومكب للجماعات المسلحة العابرة للحدود، ومكب لإعادة انتشار القوات الأجنبية، وحتى ساحة تُطرح فيها شبهات خطيرة عن تحوله إلى مكب نفايات نووية للدول الغربية، وما يُقال عن ارتباط ذلك بانتشار أمراض خطيرة بين السكان مثل السرطان، وهي معلومات غير مؤكدة رسميًا. كل ذلك يحدث لأن الدولة ضعيفة، والسيادة غائبة، والقرار الوطني مُصادَر.

الأخطر أن السياسيين العراقيين لا ينشغلون ببناء الدولة أو تطوير البلاد، بل يركّزون على المحافظة على نفوذهم، ومواقعهم، ومكاسبهم الضيقة، ولو كان الثمن أمن العراق ومستقبله. وبين هذا العبث، يبقى الشعب وحده من يدفع الثمن، داخل البلاد وخارجها.

انتهى