نهاية القيادة

نهاية القيادة

كتب رياض الفرطوسي

ليست القيادة شجرة تُقتلع من جذورها فجأة، ولا تاجاً يسقط عن رأس العالم بضربة واحدة. لكنها، ببساطة، لم تعد كما كانت. نحن لا نشهد موت القيادة، بل نهاية صورتها التي استقرت طويلًا في وعينا؛ صورة الرجل الواحد الذي يرى كل شيء، ويقرّر عن الجميع، ويطلب الطاعة كما لو كانت فضيلة بحد ذاتها.

القرن الحادي والعشرون لم يترك شيئاً على حاله. التقنية لم تغيّر أدواتنا فقط، بل غيّرت وعينا بذواتنا. الفرد اليوم يمتلك صوتاً ومنصة وتأثيراً لم يكن يحلم به إنسان قبل عقود. في عالم كهذا، لم يعد مقنعاً أن تُدار العقول بالطريقة ذاتها التي كانت تُدار بها الجموع في ساحات الخطابة.

القيادة القديمة وُلدت في زمن الندرة: ندرة المعلومة، ندرة الفرص، ندرة الصوت. من يملك المعلومة يملك السلطة، ومن يملك المنبر يملك التأثير. أما اليوم فالمعلومة فائضة، والمنابر لا تُحصى، والصوت الفردي قد يعبر القارات في لحظة. حين تتبدل شروط القوة، يتبدل شكل القيادة تلقائياً.

الأجيال الجديدة ليست أقل مسؤولية كما يُشاع، لكنها أقل قابلية للخضوع الأعمى. لم تعد ترى في الخطأ فضيحة أخلاقية، بل تجربة قابلة للتصحيح. هذه البساطة في التعامل مع العثرات تربك أجيالًا تربّت على جلد الذات وتضخيم الزلات. لكن من زاوية أخرى، قد تكون هذه الخفة شرطاً للابتكار. من يخاف الخطأ لا يغامر، ومن لا يغامر لا يقود.

ثم إن مفهوم السلطة ذاته يتآكل. السلطة لم تعد قائمة على الهيبة وحدها، بل على الثقة. والثقة لا تُفرض؛ تُبنى. القائد الذي لا يُصغي، الذي لا يفهم تحولات العالم الرقمي، الذي يظن أن المنصب يكفيه، سيجد نفسه يتحدث إلى فراغ. المنصب يمنحك مقعداً، لكنه لا يمنحك شرعية دائمة.

حتى السياسة، التي كانت مسرحاً تقليدياً للقيادة، فقدت مركزيتها الصارمة. لم تعد القضية الكبرى الواحدة تبتلع كل القضايا. الشاب اليوم قد ينشغل بالمناخ، أو بالذكاء الاصطناعي، أو بريادة الأعمال، أكثر من انشغاله بالشعارات الأيديولوجية الكبرى. ليس لأنه بلا موقف، بل لأن أولوياته صارت عملية، ملموسة، عابرة للحدود. القيادة في هذا السياق لا تُمارس عبر الخطب، بل عبر القدرة على فهم الشبكات المعقدة التي تحكم العالم.

أما الدولة، وهي الإطار الأوسع الذي احتضن القيادة قروناً، فهي الأخرى تعيد تعريف نفسها. أدوات السيادة التي كانت حصرية لم تعد كذلك. الاقتصاد يتجاوز الحدود بضغطة زر، العملات الرقمية تنافس النقد التقليدي، والعقود يمكن توثيقها بتقنيات تجعل التلاعب شبه مستحيل دون المرور بالمؤسسات المعتادة. هذا لا يعني أن الدولة إلى زوال، لكنه يعني أن احتكارها للأدوات يتراجع، وأنها مطالبة بإعادة صياغة دورها من السيطرة المطلقة إلى التنظيم الذكي.

في هذا المشهد، لا يمكن أن تبقى القيادة على شكلها القديم. لم يعد كافياً أن يكون القائد خطيباً مفوّهاً أو صاحب حضور كاريزمي. الكاريزما وحدها لا تحل معضلات معقدة، ولا تدير مجتمعات متصلة بالعالم على مدار الساعة. القيادة القادمة أقرب إلى إدارة منظومة متشابكة من البشر والأفكار والتقنيات، حيث القرار ليس أمراً يُملى، بل عملية تشاركية تُبنى على بيانات وفهم عميق للسياق.

قد يبدو الحديث عن “نهاية القيادة” مبالغاً فيه، لكنه في الحقيقة توصيف لنهاية وهمٍ طويل: وهم أن العالم يمكن أن يُدار من قمة واحدة، بعقل واحد، وبإجابات جاهزة. العالم اليوم لا يحتمل الإجابات الجاهزة. كل سؤال يتفرّع إلى أسئلة، وكل قرار تتداخل فيه اعتبارات اقتصادية واجتماعية وتقنية وبيئية في آن.

القيادة التي ستنجو ليست تلك التي تتشبث بالماضي، بل التي تعترف بأن اليقين نفسه صار رفاهية. القائد الجديد لا يدّعي امتلاك الحقيقة، بل يسعى إلى إدارتها وسط الضباب. لا يخجل من تعديل قراره، ولا يعتبر التراجع هزيمة. يعرف أن السرعة أحيانًا أهم من الكمال، وأن الاعتراف بالخطأ أقصر طريق إلى الثقة.

نهاية القيادة إذن ليست مأتماً، بل انتقال. انتقال من الفرد إلى الشبكة، من الصوت الواحد إلى تعدد الأصوات، من السلطة القائمة على الخوف إلى السلطة القائمة على الإقناع. من لا يرى هذا التحول سيظن أن العالم يفقد بوصلته، بينما الحقيقة أنه يعيد ضبطها.

ربما سنستمر في استخدام الكلمة ذاتها: قيادة. لكن ما سيختبئ خلفها سيكون مختلفاً جذرياً. والتاريخ، كما علّمنا، لا يرحم من يصرّ على الجلوس على عرشٍ تغيّر شكله، ثم يتساءل بدهشة: لماذا لم يعد الناس يرونني كما كنت أرى نفسي؟