محادثات مسقط: اختبار النوايا

رياض الفرطوسي

ليست مسقط مجرد نقطة على خارطة السياسة، بل مساحة هادئة تعرف كيف تُنصت أكثر مما تتكلم. مدينة اعتادت أن تستقبل ما تعجز عنه العواصم المكتظة بالضجيج، وأن تمنح الخصوم فرصة الجلوس بهدوء، بعيداً عن ضغط المنابر وصخب الكاميرات. لذلك، حين تنتقل إليها محادثات معقّدة بين واشنطن وطهران، فالأمر لا يتعلق بتغيير المكان بقدر ما يعكس رغبة في إعادة ضبط الإيقاع السياسي برمّته.

اختيار مسقط، وحصر اللقاء بين وفدين فقط، يبدو أقرب إلى مقاربة مدروسة تسعى لتقليص التشويش وحصر النقاش في جوهره. فكلما ازدحمت الطاولة، تمددت الأجندات، وتحوّل التفاوض من بحث عن حلول إلى ساحة استعراض. هنا، بدا أن الأولوية هي للتركيز، وللبدء من العناوين القابلة للنقاش، لا من الملفات التي تُثقل أي حوار قبل أن يبدأ.

بهذا المعنى، لا يظهر الطرف الإيراني في موقع المتردد أو المنسحب من الحوار، بل في موقع من يسعى إلى تنظيمه وضبط شروطه. رسالة محسوبة الإيقاع: الانفتاح لا يعني التفريط، والاستعداد للتفاوض لا يُترجم تلقائياً إلى قبول بإملاءات مسبقة، والحوار الحقيقي يحتاج بيئة متوازنة قبل أن يحتاج تنازلات.

في الجهة المقابلة، يدخل الوفد الأمريكي بعقلية مختلفة، تميل إلى السرعة وقياس النتائج. واشنطن لا تخفي رغبتها في مؤشرات ملموسة يمكن البناء عليها سياسياً، وتتعامل مع الوقت بوصفه عنصر ضغط لا مساحة اختبار. لذلك، تبدو محادثات مسقط بالنسبة لها لحظة تقييم أكثر منها محطة تهدئة.

هنا تتشكّل المسافة الحساسة بين أسلوبين في إدارة التفاوض: أحدهما يراهن على النفس الطويل وحساب التراكم، والآخر يفضّل الاختصارات والنتائج السريعة. هذه المسافة لا تلغي إمكانية التفاهم، لكنها تفسّر التوتر الصامت الذي يرافق اللقاء، وتكشف أن الخلاف ليس فقط في الملفات، بل في مقاربة الزمن نفسه.

ومع ذلك، لا توحي المعطيات بأن أياً من الطرفين حضر إلى مسقط خالي الوفاض. فثقل اللحظة الإقليمية، وتشابك المصالح الدولية، والضغوط الاقتصادية، كلها عوامل تجعل خيار التفاهم المرحلي أقل كلفة من المضي في مسارات مفتوحة على المجهول. هذه المنطقة الوسطى، بين الحذر والرغبة، هي التي أبقت باب الحوار مفتوحاً، ولو بحذر محسوب.

وأمام طاولة مسقط، تتفرّع ثلاثة سيناريوهات.

أولها، اتفاق مرحلي محدود، يقوم على تفاهمات تقنية وخطوات متبادلة صغيرة، وقد يترافق مع إطار زمني لمباحثات أوسع. اتفاق لا يُقدَّم بوصفه انتصاراً سياسياً لأي طرف، لكنه ينجح في تثبيت الاستقرار وخلق مساحة يمكن البناء عليها لاحقاً.

وثانيها، استمرار المسار التفاوضي دون اختراق واضح، مع الحفاظ على قنوات التواصل مفتوحة عبر الوساطة العُمانية. سيناريو قد لا يُرضي المتعجلين، لكنه يمنح الأطراف مساحة إضافية لاختبار النيات، وتفادي قرارات متسرعة يصعب التراجع عنها.

أما ثالثها، وهو الأبعد لكنه لا يغيب عن الحسابات، فتعثر سريع يُعاد توظيفه سياسياً وإعلامياً، عبر تصعيد محسوب في الخطاب وتشديد في الضغوط، من دون الذهاب فوراً إلى مواجهة مفتوحة.

في المحصلة، محادثات مسقط ليست لحظة حسم نهائي، بقدر ما هي لحظة قياس. قياس لمدى جدية الأطراف، وحدود الممكن، وسقف ما يمكن تأجيله. ومن يخرج من هذه الجولة وقد حافظ على ثبات موقفه ومرونة أدواته، يكون قد ربح جولة هادئة في معركة طويلة النفس، حتى وإن لم يُوقّع بعد على السطر الأخير.