نظام مير محمدي*
في لحظة تاريخية فارقة، وبينما تشتعل أرض إيران بلهيب “انتفاضة يناير الحمراء”، تحولت بوابة براندنبورغ التاريخية في برلين، اليوم السبت 7 شباط (فبراير) 2026، إلى منصة عالمية لمحاكمة نظام الملالي. في مشهد مهيب، احتشد مائة ألف من الإيرانيين الأحرار وأنصار المقاومة الإيرانية، ليشكلوا امتداداً لصوت الشعب المنتفض في الداخل، معلنين للعالم أن عهد المهادنة قد ولى، وأن شمس الحرية قد أشرقت من دماء الشهداء وعزيمة “الشباب الثوار”.
هذا التجمع الضخم لم يكن مجرد تظاهرة، بل كان استفتاءً شعبياً وسياسياً حاسماً، توّج بحضور شخصيات دولية ثقيلة الوزن، أكدت أن العالم الحر قد حسم خياره بالوقوف بجانب البديل الديمقراطي المنظم، ممثلاً في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية.
مريم رجوي: خارطة طريق نحو الجمهورية الديمقراطية
في كلمتها التي رسمت ملامح مرحلة “ما بعد السقوط”، أكدت السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة من قبل المقاومة الإيرانية، أن العد التنازلي لنهاية الاستبداد الديني قد بدأ. وشددت على أن انتفاضة يناير، التي قادها “الشباب الثوار” في أزقة وشوارع إيران، قد كسرت حاجز الخوف وحطمت أوهام النظام.
ركزت السيدة رجوي على ثوابت المقاومة المتمثلة في شعار “لا لنظام الشاه ولا لنظام الملالي”، قاطعة الطريق أمام أي محاولة لسرقة الثورة أو إعادة إنتاج الاستبداد تحت عباءة الملكية المرفوضة. وأوضحت أن إيران المستقبل هي جمهورية ديمقراطية تقوم على فصل الدين عن الدولة، والمساواة الكاملة، وحكم القانون، مستندة إلى إرث نضالي يمتد لأكثر من أربعة عقود، وجبهة تضامن وطني واسعة. كما وجهت نداءً حازماً للمجتمع الدولي للاعتراف بنضال الشعب الإيراني، وإدراج قادة النظام أمام المحاكم الدولية بتهمة الإبادة الجماعية.
وأكدت السيدة رجوي أن إسقاط النظام لا يعني الفراغ، بل يفتح الطريق أمام انتقال منظم نحو السيادة الشعبية، على أساس بديل ديمقراطي واضح يتمثل في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية وبرنامجه السياسي، الذي يقوم على إقامة جمهورية ديمقراطية، تفصل الدين عن السلطة، تضمن المساواة الكاملة بين المرأة والرجل، وتحترم حقوق جميع القوميات، وتؤسس لإيران غير نووية تعيش بسلام مع العالم.
شارل ميشيل: أوروبا تختار الجانب الصحيح من التاريخ
وفي تحول لافت في الموقف الأوروبي، ألقى شارل ميشيل، المسؤول السابق للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كلمة حملت دلالات عميقة، مشبهاً سقوط جدار برلين بقرب سقوط جدار القمع في طهران. وأكد ميشيل أن المقاومة الإيرانية هي “مقاومة القرن الحادي والعشرين”، معلناً دعم أوروبا لتصنيف حرس النظام كمنظمة إرهابية.
شن ميشيل هجوماً لاذعاً على محاولات فلول نظام الشاه لسرقة تطلعات الشعب عبر حملات تضليلية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن “ابن الديكتاتور” لا يمكن أن يكون بديلاً ديمقراطياً. واختتم بتأييده المطلق لـ “خطة النقاط العشر” التي طرحتها السيدة رجوي، واصفاً إياها بالجسر المتين للعبور من الاستبداد إلى الديمقراطية، ومشدداً على أن العالم اليوم يقف صفاً واحداً مع الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة.
وأشار ميشيل إلى أن سياسة الاسترضاء فشلت، كما أن التدخل العسكري الخارجي ليس حلاً، مؤكداً أن الطريق الواقعي يكمن في دعم الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة. وأوضح أن كسر الصمت، سواء في كشف البرنامج النووي للنظام أو في مواجهة القمع، كان عاملاً حاسماً في فضح طبيعة النظام أمام المجتمع الدولي.
وأكد أن النظام الحاكم، رغم وحشيته، بات أكثر هشاشة وعزلة، وأن قسوته المتزايدة ليست سوى علامة على ضعفه، مشدداً على أن الخوف ليس أقوى من الشجاعة، وأن التغيير أصبح مساراً لا رجعة فيه.
مايك بومبيو: نهاية زمن الاسترضاء
من جانبه، قدم وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، مايك بومبيو، مرافعة سياسية قوية نسفت كل مبررات سياسة الاسترضاء. وأكد بومبيو أن النظام الإيراني يعيش أضعف حالاته، بعد أن دمر الغرب أذرعه الإقليمية وانهار اقتصاده. وأشار بوضوح إلى أن “الجمهورية الإسلامية” آيلة للسقوط الحتمي، وأن الشعب الإيراني قد حسم خياره برفض الثيوقراطية والملكية على حد سواء.
أشاد بومبيو بالخطة المنهجية التي وضعتها السيدة رجوي، معتبراً إياها “خارطة طريق” حقيقية لفترة انتقالية آمنة تفضي إلى انتخابات حرة. ووجه رسالة مباشرة لصناع القرار في الغرب بأن البديل موجود ومنظم، وأن الفوضى التي يلوح بها النظام هي مجرد دعاية يائسة، مشيداً بصمود سكان “أشرف 3” الذين يمثلون نواة الأمل والحرية.
متحدثون أوروبيون آخرون
كما ألقى بيتر آلتماير، الوزير الاتحادي الألماني السابق للاقتصاد والطاقة عن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU)، كلمة أكد فيها أن النظام الإيراني غير قابل للإصلاح، وأن دعم نضال الشعب الإيراني هو الخيار الأخلاقي والسياسي الصحيح.
ومن جانبها، أكدت زابينه لويتهويزر-اشنارنبرغر، وزيرة العدل الاتحادية السابقة في ألمانيا، على ضرورة المساءلة القانونية لمرتكبي الجرائم في إيران، واعتبرت أن حقوق الإنسان وسيادة القانون تشكلان الأساس لأي تحول ديمقراطي حقيقي.
النساء والشباب والمسيرة الختامية
وفي ختام البرنامج، ألقى ممثلو الجاليات الإيرانية، ولا سيما النساء والشباب، كلمات عبّروا فيها عن دورهم المحوري في الانتفاضة والمقاومة، مؤكدين استمرار نضالهم من أجل إيران حرة وديمقراطية.
وعقب انتهاء الكلمات، تحول التجمع الجماهيري الذي ضم نحو 100 ألف إيراني إلى مسيرة حاشدة جابت شوارع برلين، رافعة شعارات الحرية والتغيير، في مشهد عكس وحدة الإيرانيين وتصميمهم على إسقاط الاستبداد.
إن تظاهرة برلين الكبرى في 2026 لم تكن مجرد حدث عابر، بل إعلان دولي بانتهاء صلاحية نظام ولاية الفقيه، واعتراف صريح بأن “وحدات المقاومة” في الداخل، والمجلس الوطني للمقاومة في الخارج، هم الممثل الشرعي والوحيد لتطلعات الأمة الإيرانية. لقد قالت برلين كلمتها: لا عودة للوراء، والمستقبل لجمهورية ديمقراطية حرة.
*كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني