مقالات للتشويش
كامل سلمان
لا تجد موقعاً إلكترونياً أو صحيفة إلكترونية تعطي الحرية للنشر وتسمح للجميع بالتعبير عن أرائهم ونشر مقالاتهم إلا وتجد عشرات الأقلام المشوشة تزاحم المقالات الأخرى وتشوش عليها ، أصحاب تلك المقالات المشوشة أصبحوا معروفين للقاصي والداني أسمائهم تتكرر في كل موقع ونوعية مقالاتهم معروفة وأساليبهم المرفقة بالطعون والإساءة شاخصة ، مقالاتهم جاهزة وهي فارغة المحتوى وعناوينها براقة تتداخل مع كل حدث بإحترافية هدفها تضييع المقالات الهادفة بين هذا الكم الهائل من التشويش . هي ليست طريقة مبتدعة بل هي طريقة قديمة أثمرت في السابق وتثمر الآن في حرف الرأي العام . هذه الطريقة نجحت أبان مرحلة جمع الأحاديث النبوية عندما كانت الأحاديث لم تتجاوز في حقيقتها العشرات وإذا بها تصبح بالآلاف ووصلت إلى مئات الآلاف وفعلاً أخترقت التأريخ وشوشت عليه وحرفته . التشويش حرفة متقنة وجدت ضالتها في العصر الحديث مع إنتشار تكنلوجيا الإتصالات ، حتى التحليلات الخبرية ، ما أن نسمع خبراً لحدث معين حتى تتوالى التحليلات المختلفة المتناقضة بعضها مستندة على أقوال ومصادر كاذبة لتضيع الحقيقة . طبعاً هي طريقة ناجحة في سوق الجهالة والتخلف ولها روادها من الجهلاء لأن العقلاء وأصحاب الوعي يعرفون المغشوش من الصادق وللأسف سوق الجهالة هو الأكثر إنتشاراً . الكتب التأريخية الحقيقية لمجتمعاتنا تقريباً إنقرضت وحلت محلها نفس الكتب بنفس العناوين والأسماء لكن التحريف وصلها بعد أن تم طباعتها بنسخ جديدة جميلة المظهر في مطابع عريقة إستولت عليها أيادي الخبث .. أحد الكتب التأريخية قرأته قبل خمسين عاماً تقريباً ولشدة تعلقي وحبي بذلك الكتب بقيت صورته وصورة صفحاته ومعلوماته عالقة في ذهني لكن بالصدفة قبل أيام قليلة وأنا أتصفح بعض المواقع مررت بنفس الكتاب فرغبت في مراجعته وإذا بي أتفاجأ بأن ما مذكور في الكتاب من المعلومات التي قرأتها في السابق لم يتبقى منها إلا القليل جداً وكأنني أقرأ كتاباً مختلفاً تماماً . أخبار تنشر هنا وهناك عن الفضاء تعزز نظريات دينية وتستخدم مصطلحات إنكليزية مرفقة تنسبها لمؤسسة ناسا الفضائية الأمريكية لكن عندما أذهب لموقع ناسا الفضائي حول نفس الخبر أجد الخبر لا صحة له بل أحياناً أجد العكس حتى أنني أحدى المرات عارضت خبراً منشوراً في أحدى المواقع بعد تأكدي من المصدر الأصلي وإذا بردود الأفعال تنهال عليّ كالمطر إضافة إلى الإساءات الوقحة وبعض ردود الأفعال وصفتني بالكفر والإلحاد . الجاهل لا يرضى أن تخالفه الرأي مهما كان دليلك قوي ولا يرضى أن تظهر عيوب كلامه مهما أعطيته من دليل فما بالك إذا كان هذا الجاهل تسنده الدولة ومؤسساتها الأمنية سيشعر بالقوة والعظمة وصواب الرأي ، هنا أستطيع القول على الثقافة السلام ، مقال واحد هادف ونزيه يسبح بين عشرات المقالات المضللة فكيف سيجد طريقه إلى عقل القارىء خاصة إذا كان القارىء حديث العهد بالثقافة والمعرفة . هذه الظاهرة ظاهرة التشويش المعرفي والثقافي ليست لها وجود في أي مكان بالعالم فقط في منطقتنا المبتلية بالصراعات العقائدية والمذهبية ومخلفات الماضي . ويعتقد مروجوها بأنهم بهذه الطريقة سينشرون رسالاتهم العفنة إلى شعوب العالم ولا يدرون بأنهم هم أنفسهم ضحية لما يفعلون وأن تأثيرهم يتداول بين أصحابهم المضللين مثلهم . شيء مؤلم أن ترى مجتمعك الذي كان في يوم من الأيام فيه الأمل الكبير أن يصبح في مصاف المجتمعات الراقية وإذا به يسقط في الهاوية ويغسل بعضهم أدمغة بعض لخدمة التخلف والضياع . وأخيراً مهما ازداد السوء يبقى الأمل بالقلة القليلة الواعية أن تنتصر في نهاية المطاف لأن الخير لم يُهزم منذ أن وجد الإنسان على سطح الأرض وإلا لما تطور الإنسان بهذا المستوى ، قد يتعرض الخير والعقل للنكسات ولكن العاقبة للصدق وللصادقين ولما يوافق عليه العقل .
مقالات للتشويش