صناعة الأبناء / الجزء الثاني: التوازن قبل التميّز

رياض الفرطوسي

الناس تعشق كلمة “النجاح”.

تلمع في العناوين، وتُعلّق على الجدران، وتُقال بثقة في السير الذاتية.

لكن النجاح، إذا دققنا فيه، قد يكون مجرد الحد الأدنى المقبول. أن تنجح يعني أن تصل… أما أن تتميّز فأن تتجاوز.

النجاح قد يكون خمسين في المئة من الصورة.

أما التميّز فهو أن تطلب من نفسك أكثر مما يطلبه منك الآخرون. أن ترفض المتوسط، وأن تضبط بوصلتك على مستوى أعلى من الرضا العادي.

وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي.

لأن التميّز ليس مجانياً.

إنه يستهلك وقتاً، طاقة، تركيزاً، أعصاباً.

يتطلب ساعات إضافية، قرارات صعبة، أولوية واضحة للمشروع المهني.

وكثيرون خاضوا هذه الرحلة بحماس، فصعدوا سريعاً، وارتفعت أسماؤهم، وتوسعت إنجازاتهم… لكنهم حين استداروا إلى الخلف، وجدوا فراغاً في المساحة التي كان ينبغي أن تكون ممتلئة بأبنائهم.

ليس لأنهم فشلوا.

بل لأنهم نجحوا بلا توازن.

التميّز المهني، إذا لم يُضبط، يتحوّل إلى استحواذ كامل على الحياة.

يصير المشروع هو المركز، وكل ما عداه يدور في فلكه.

وحينها تصبح الأسرة هامشاً مؤجلًا، مؤجلًا، مؤجلًا… حتى يكبر الأبناء خارج دائرة التأثير.

أخطر ما في طريق التميّز أنه يقنعك أنك تفعل الصواب دائماً.

تعمل أكثر؟ لأنك طموح.

تسافر أكثر؟ لأنك مسؤول.

تغيب أكثر؟ لأن المرحلة تتطلب ذلك.

وهكذا تمضي السنوات، وتتشكل مسافات لا تُردم بسهولة.

المعادلة ليست أن نختار بين البيت والعمل. هذا طرح كسول.

المسألة أعمق: أن ندرك أن التميّز الحقيقي لا يكتمل إذا كان ثمنه اختلالًا داخلياً.

يمكنك أن تكون متفوقاً في مهنتك، لكن إذا خسرت التوازن، فأنت تدفع فاتورة مؤجلة ستستحق لاحقاً.

التوازن لا يعني أن نقلل من طموحنا، ولا أن نتصالح مع المتوسط.

بل أن نرتّب الأولويات بوعي.

أن ندرك أن بناء الإنسان في البيت ليس نشاطاً ثانوياً، ولا مهمة تُنجز عند الفراغ، ولا دوراً عاطفياً نؤديه في العطل.

التربية ليست ملحقاً بالحياة.

هي أساسها.

كل مشروع مهني، مهما كان ضخماً، ينتهي عند حدود عمر صاحبه.

أما الأبناء فمشروع ممتدّ، يحمل اسمك، وقيمك، وصورتك إلى ما بعدك.

لهذا، حين نتحدث عن التميّز، ينبغي أن نضع قبله كلمة واحدة: التوازن.

تميّز مهني… نعم.

لكن مع توازن شخصي يحفظ البيت، ويحفظ المعنى.

ومن هنا يتبدّل ترتيب الأولويات.

لا نبدأ بالسؤال: كيف ننجح؟

بل: كيف نُحسن البناء؟

فالطريق إلى أي نجاح مستقر يبدأ من البيت.

من تشكيل عقل،

ومن غرس إرادة،

ومن صناعة شخصية تستطيع أن تستقل يوماً ما.

لكن هذا يفتح سؤالًا أكبر:

إذا كانت التربية هي نقطة الانطلاق… فكيف نفهمها أصلًا؟

وما الذي ينبغي أن نزرعه في أبنائنا حتى لا يكون توازننا مؤقتاً، ولا تميّزنا هشّاً؟