رياض سعد
كما أنَّ الله وهب العراق أرضًا عامرة بالخيرات والثروات ، وموارد لا تنضب، وعمقًا حضاريًا ضاربًا في فجر التاريخ، فقد ابتلاه في الوقت ذاته بموقعٍ جغرافيٍ استراتيجيٍ بالغ الحساسية؛ موقعٍ جعله قلبَ الشرق ومفترقَ طرق الإمبراطوريات، وساحةَ اختبارٍ دائمٍ لمشاريع القوة والنفوذ… ؛ حتى قيل قديما : ( من ملك بابل أو بغداد ؛ ملك الجهات الاربع ) و يرمز هذا اللقب إلى السيطرة المطلقة على أركان العالم المعروف آنذاك (الشرق، الغرب، الشمال، الجنوب)... .
نعم , لقد منح القدر العراق نعمة الموقع وبركة الثروة، ولكنه في المقابل أوقعه في محنة الجغرافيا واستحقاق التاريخ… ؛ فالحقيقة الصلبة التي لا يمكن القفز فوقها و التي يفرضها منطق الصراع البشري على مر العصور هي أن الحديث عن استقرار دائم في أرض ما بين النهرين، في ظل صراع القوى الإقليمية والدولية المتعاقبة، وفي خضم موازين القوى المتقلبة الحالية، أقرب إلى الأمنية العابرة منه إلى المشروع القابل للتحقيق , والحلم الرومانسي منه إلى المشروع الواقعي… ؛ و إن استعادة الأراضي العراقية المغتصبة، وإحياء مشروع الدولة الوطنية الجامعة، وتأسيس كيان موحد قوي وسيد، يبدو مهمة عسيرة تكاد تكون مستحيلة في زمن الهيمنة المطلقة والحدود المرسومة بمداد المصالح الأجنبية… ؛ فحتى لو قرر العراقيون تجاهل (إسرائيل) وبقية الاعداء ، فلن تتجاهلهم هي ولا يغض الاعداء الطرف عن العراق ؛ لأن وجود كيان استيطاني اغتصابي آمن في المنطقة يتطلب محيطاً من الدول الممزقة والضعيفة والمنشغلة بذاتها… ؛ كما ان العراق يغري الاعداء ويحرك مطامعهم .
فالعراق، منذ نشأته الحديثة، لم يُمنح فرصة الاستقرار الهادئ؛ إذ وُلد محاطًا بقوى طامعة، وحدود مصطنعة، وخرائط فُرضت بقوة السلاح لا بمنطق التاريخ… ؛ واسترجاع الأراضي الرافدينية المنسلخة، وإحياء مشروع الأمة العراقية الجامعة، وبناء دولة موحدة قوية قادرة على فرض إرادتها؛ جميعها مهام شاقة تكاد تبلغ حد الاستحالة في عصر الهيمنة الدولية وإدارة الصراعات بالوكالة… ؛ كما اسلفنا .
ومن ثم، لم ينعم العراق ولا أهله بالراحة أو الاستقرار الحقيقي، لا في ظل العهد الملكي الهش، ولا تحت نير العهد الجمهوري الشمولي، ولا حتى في تجربة العهد الديمقراطي الفيدرالي الضعيف … ؛ فالمشاهد اختلفت والأسماء تباينت، لكن النتيجة كانت واحدة: صراع داخلي مدعوم من الخارج، وهشاشة بنيوية، وتدخل سافر في الشأن الوطني… , ودولة مثقلة بالضغوط و مستنزفة بالصراعات والازمات والانتكاسات والنكبات ؛ فالعراق لا يهدأ إلا إذا انتصر على تحدياته الجسيمة، وكبح جماح أعدائه المتربصين به من كل صوب، وأحبط مطامع جيرانه وأسياد اللعبة الدولية على حد سواء… ؛ اذ لم يكن العراق يوماً محطة استقرار، بل كان – ولا يزال – ساحة معركة مفتوحة، وأعداؤه يتربصون به من كل حدب وصوب.
نعم , ليس من قبيل المصادفة أن يبقى العراق في دائرة الاستهداف الدائم؛ فحتى لو قرر العراقيون ـ نظريًا ـ تحييد أنفسهم عن الصراع مع الكيان الصهيوني وغيره كما اسلفنا ، فإن هذا الكيان لن يترك العراق وشأنه، لأن أمنه الاستراتيجي قائم، في جوهره، على وجود دولٍ عربيةٍ مفككة، هشة، منشغلة بصراعاتها الداخلية، عاجزة عن التحول إلى قوى إقليمية وازنة… ؛ فدولة عراقية قوية، مستقلة الإرادة، تشكّل خطرًا بنيويًا على أي مشروع استعماري في المنطقة، حتى وإن لم تُطلق رصاصة واحدة…!!
لقد كتب على هذه الأرض أن تكون ساحة للصراع لا واحة للأمان… ؛ ولذلك، فإن الحاجة الملحة اليوم ليست لبناء الجسور والأبنية فحسب، بل هي لبناء “الردع” أولاً وأخيراً: بصواريخ بالستية دقيقة، ومسيرات قتالية ذكية، وإرادة سياسية حرة لا تنحني للتهديد أو تخضع للإملاء… ؛ إن من يهرب من ساحة المعركة الحتمية إلى وهم التسويات المجانية، سيجد العدو قد سبقه إلى عقر داره وفرض شروطه على أرضه… ؛ فلا تُشيدوا أوهام الاستقرار فوق ركام الإرادة المنكسرة، ولا تستوردوا الحديد والإسمنت لبناء المرافق وحدها، بل استوردوا – أو اصنعوا – ما يُرعب المعتدي ويُقوّض مخططاته، لا ما يُرضي المانحين والمستثمرين وأصحاب المشاريع الاقتصادية الواهية… ؛ وما يحمي القرار الوطني لا ما يجمّله شكليًا … .
فالمسيّرات أبلغ من المؤتمرات حين تُنتهك السيادة، والصواريخ أصدق من المعونات عندما يُفرض الحصار، والعزم أصلب من التسويات حين يكون الخصم عدوانيا لا تفاوضيًا , والمعركة وجودية لا هامشية … ؛ والعزيمة الصلبة لا التفاوض المستسلم… ؛ إن المواجهة مع محاور العداء والإضعاف ليست حدثاً عابراً في جدول الأعمال السياسي، بل هي قدر جيوسياسي مُعلّن بمداد من الدم والنار، منذ أن اقتُطِعت أجزاء من جسده وزُوِّرَت خرائطه وسُرقت ثرواته… ؛ وكل مشروع وطني لا يضع هذه المواجهة في صلب رؤيته وجوهر استراتيجيته، هو مشروع ميت مولود ميتاً، لا حياة فيه ولا مستقبل له… ؛ فالصدام – بشكله المباشر أو غير المباشر – مع أعداء وجوده ومشروعه، ليس مجرد احتمال من بين الاحتمالات، بل هو قدر محتوم لا مفر منه، شاء من شاء وأبى من أبى.
غير أن الإعداد للقدر المحتوم والاستعداد للمواجهة المرتقبة، لا يعني – بحال من الأحوال – تبني خيار الحرب والاصطدام كخيار أول وأوحد… , ولا تحويل الصراع إلى غاية بحد ذاته ؛ بل إن الحكمة السياسية تقتضي أن يأتي هذا الخيار بعد استنفاد كل السبل الدبلوماسية، واستكشاف كل الآفاق السياسية والرؤى الاستراتيجية ، واستعمال كل أدوات التأثير الناعم … ؛ فقد تغني السياسة الحكيمة عن الحرب المدمرة، والعاقل الحصيف هو من يحقق أهدافه بالحكمة والمناورة والدهاء السياسي، لا بالصدام العسكري المباشر الذي يجرف الأخضر واليابس… ؛ فكم من هدفٍ تحقّق بالدهاء السياسي ما كان ليُنال بالحرب، والعاقل من يُحسن إدارة الصراع لا من يندفع إليه بلا حساب… ؛ ومع ذلك كله، يبقى التفاوض من موقع القوة والمنعة والوحدة، خير ألف مرة من التفاوض من موقع الضعف والتمزق والتبعية… ؛ فالقوة وحدها هي التي تجلب الاحترام، والردع وحده هو الذي يفرض السلام.
واخيرا : إن الصدام مع أعداء العراق ليس احتمالًا عابرًا في دفتر السياسة، بل هو قدر جيوسياسي متجذر منذ لحظة اغتصاب الأرض وتزوير التاريخ، وكل مشروع لا يضع هذه الحقيقة في صلب رؤيته الاستراتيجية، هو مشروع هشّ، محكوم عليه بالفشل قبل أن يرى النور.