رياض سعد
لم يكن عامر رجلَ طقوسٍ باردة، ولا جامعَ أورادٍ للتفاخر الروحي، بل كان كائنًا قلقًا، يفتّش عن الطمأنينة كما يفتّش الغريق عن قشةٍ في بحرٍ بلا شواطئ.
كان مولعًا بالذكر، لا بوصفه ألفاظًا تُردَّد، بل بوصفه مفاتيح خفية، يظنّها قادرة على فتح أبواب الصفاء المطلق، والاتصال بما وراء العالم.
بحث عن الذكر في الأزقّة، كما تُبحث اللُّقى في أطلال المدن المنسيّة، وفتّش عنه في الكتب كما تفتّش الأرواح عن مرآتها.
حتى وقع بصره، ذات مساءٍ مُتعب، على ذكرٍ منسوب إلى العارف السيد علي القاضي، قيل عنه إنه يُهذّب النفس من أدرانها، ويقمع الشيطان، ويُطفئ وساوسه كما تُطفأ جمرةٌ ملتهبة في كفٍّ من ماءٍ عذب.
التزم عامر بالورد، وأقبل عليه بإصرار ناسكٍ مبتدئ، يعدّ الكلمات كما تُعدّ حبات المسبحة في العتمة.
غير أن الطمأنينة لم تأته كما تخيّل؛ فما إن استقام على الذكر حتى انهالت عليه المصائب كتائبَ متلاحقة، كأن القدر قرر امتحانه دفعةً واحدة، أو كأن الذكر فتح نافذةً لم يكن الهواء خلفها رحيمًا.
ردد الورد أكثر من عشرة آلاف مرة، حتى نحل جسده، وصار كقشرةٍ خاوية تحمل روحًا متعبة.
أوى إلى فراشه مُكرهًا، وهناك—في تلك المنطقة الرمادية بين النوم واليقظة، حيث تختلط الصور بالأصوات وتتكشّف البواطن—وقع الهجوم.
جاؤوا عليه دفعةً واحدة، وإن بدوا متفرّقين؛ أشكالٌ مرعبة، ملامح متناقضة، وأسـلحة كأنها مقتطعة من كوابيس قديمة، حتى خُيّل إليه أنهم يأجوج ومأجوج.
كان وحيدًا، أعزل، لكن شيئًا ما في داخله استطال فجأة، كأن الذكر أعار روحه قامةً أعلى من جسده.
ارتفع صوته، لا صراخًا بل يقينًا، وقال:
“سأحرقكم بـ: قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.”
دام الصراع، وكانت الغلبة تميل إليه، حتى تقدّم أحدهم وقال بصوتٍ لا يخلو من سخريةٍ سوداء:
“ما كنا لنتجرأ على مقامك يا شيخ عامر، لولا فعلتك، ولولا الذنب الذي سوّد صحيفتك.”
عندها فزع عامر من نومه، وقلبه يخفق كمن عاد من حافة الهاوية.
تذكّر.
تذكّر تلك اللحظة التي أغرى فيها امرأةً متزوجة، وتذكّر أن رحمة الله وحدها حالت دون الوقوع في الفعل…
نعم، لم يزنِ، لكنه نوى.
وهنا انكشف له المعنى الذي طالما غفل عنه:
أن النية السيئة قد تكون أقبح من الخطيئة نفسها، لأن القلب هو موضع النظر، لا الجوارح.
في تلك الليلة فهم عامر معنى الاية القرانية :
﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾.
فالله لا ينظر إلى كثرة الأوراد، ولا إلى الصلوات المتراكمة، ولا إلى المظاهر ولا المقامات، بل إلى القلب وحده:
هل هو نقي؟
هل يخلو من الحقد، والحسد، ونوايا السوء؟
من جاء بقلبٍ سليم فقد فاز فوزًا عظيمًا،
ومن جاء بقلبٍ أسود، فلا تغنيه صلاته ولا صيامه، ولا تحميه أذكاره من نارٍ تبدأ من داخله قبل أن تكون في الجحيم.
ومنذ تلك الرؤيا، لم يعد عامر يسأل:
كم ذكرت؟
بل صار يسأل:
بأي قلبٍ ذكرت؟